رواية ضبط واحضار بقلم منال سالم ج٢
المحتويات
حاجة فردي أو خاصة.
لحظتها نظرت إليه مرة ثانية بتحير لتجده يرمقها بنظرته القوية فاستسلمت قائلة بحرج طفيف
حاضر هجيب صاحبتي وأجي.
انتظر انتظام الجميع في صفين متوازيين الشابات تقفن في حذا بعضهن البعض في الخلفية ومن أمامهن الشباب يركعون على ركبة واحدة متأهبين لالتقاط الصورة التذكارية الخاصة بانتهاء جولتهم في القاعدة الجوية. تأكد عمر من جعل الجميع يتمركزون في أطوال متناسقة لغرض ما في نفسه ثم أفسح المجال له ولمن عاونه في ذلك التدريب بالوقوف في المنتصف. تفاجأت به بهاء ينقلها من موضع وقوفها المتطرف إلى جواره فرفعت حاجبيها للأعلى متطلعة إليه في ذهول مشوب بالاحتجاج فأخبرها دون أن يبتسم
ده أفضل.
اعترضت عليه بصوت خفيض
بس في أطول مني وكده ال...
قاطعها بصوته الحازم
أنا القائد وأحدد مين يقف جمب مين.
ضيقت عينيها باسترابة خاصة حينما تكلم بأسلوبه الغريب
وبعدين كده وشك هيبان أكتر.
زحفت الحمرة الدافئة إلى وجنتيها لتشعرها بسخونة عجيبة تجتاح أوصالها ما لبث أن تضاعفت وهو يخبرها بخفوت
وأنا عايزك جمبي!
تخشبت في موضعها مصډومة لا تعرف بماذا تجيب أو تعلق اكتفت فقط بالترديد في عقلها
أكيد اللي أنا حساه ده مش أوهام!
حاولت التظاهر باللا مبالاة آملة ألا يحس بالارتباك الذي يختلجها وهي تجاوره في وقفته المعتدة بنفسه ومع هذا أحست بالتفرد والتميز وبكونها استثنائية رغم كون تصرفه قد يبدو عاديا للبعض.
حينما وصل الجميع إلى الأكاديمية بدأ الحشد في الافتراق كل متجه إلى سيارته أو إلى منطقة ركوب الحافلات من أجل العودة إلى المنزل والاسترخاء. كعادتهما وقفت بهاء مع بسنت في الجراج الخارجي تثرثران عن موجز ما دار قبل أن تتساءل الأولى باستغراب وعلامات
الحيرة تكسو وجهها
مش كانت معاكي العربية إنتي ركناها فين
أجابتها بعد تنهيدة سريعة
أيوه بس أخويا جه وخدها وعايزني أحصل العيلة على النادي الظاهر هيتقابل مع العروسة الجديدة.
بدت نبرتها ساخرة نوعا ما وهي تسألها
وإنتي هتروحي بالشكل ده
ردت بتهكم ناقم
تخيلي! علشان الأناقة تكمل...
ثم تشبثت بذراع رفيقتها تطلب منها بوجه متوسل ونبرة مستعطفة
ما تيجي معايا أهوو نقعد نرغي سوا ونفضنا من جو الشجر والليمون اللي حاصل.
انتشلت ذراعها منها لتستعيده قائلة وهي تبتسم
ماحبش أكون عزول.
زمت شفتيها مرددة
ماشي يا بيبو سبيني لوحدي في الأزمات...
ثم غمزت لها بطرف عينها قائلة في لؤم
لو في جديد عرفيني.
رغم فهمها إلى ما ترمي إليه صديقتها في سؤالها المتواري إلا أنها ادعت الجهل وزوت ما بين حاجبيها متسائلة
جديد في إيه
ضحكت في مرح قبل أن تخبرها
وربنا إنتي فاهمة بس غاوية تعملي عبيطة!
لكزتها برفق في ذراعها هاتفة
خلاص بقى.
لوحت لها بسنت بيدها لتودعها
سلام يا قلبي.
بادلتها التحية وانتظرت في مكانها تبحث في هاتفها عن أقرب سيارة أجرة يمكن أن تقلها إلى منزلها.
سألها في اهتمام
إنتي مش هتروحي مع صاحبتك ولا إيه
جاوبته وهي تبتسم
لأ عندها مشوار وهطلب عربية تجيلي.
تفاجأت به يقترح عليها في لباقة
أنا ممكن آ....
لم يتمكن من عرض اقتراحه حيث رن هاتفها فجأة باتصال غريب من زوجة عمها فطلبت منه بخجل
ثانية معلش هرد على مرات عمي.
تفهم مقاطعتها له وأصغى إليها وهي تخابرها
أيوه يا طنط فادية..
رأى كيف تبدلت تعبيراتها المتوردة إلى أخرى شاحبة في طرفة عين وصوت زوجة عمها ېصرخ من الهاتف
إلحقي يا بهاء عمك وقع من طوله ونقلناه على المستشفى.
قڈف قلبها ړعبا وسألتها في فزع
بتقولي إيه عمي ماله
استمرت نبرة فادية على صړاخها وهي تعلمها
معرفش أنا لواحدي حصليني يا بنتي أوام.
سألتها وقد بهتت كامل تعبيرات وجهها
طب هو في مستشفى إيه
أنهت معها المكالمة لتدور حول نفسها في توتر وقلق فالصدمة جعلت عقلها يتوقف عن التفكير بمنطقية للحظات اعترض عمر طريقها متسائلا في استرابة
في إيه اللي حصل
بدأت الدموع تنساب من مقلتيها خوفا وهي تجاوبه
عمي تعب ووده المستشفى أنا معرفش ماله.
أشار لها بيده لتهدأ قائلا
إن شاء الله خير ما تقلقيش.
ثم أخرج مفتاح سيارته من جيبه متابعا في لهجته الآمرة
تعالي معايا أنا هوصلك.
لم تعترض عليه وانصاعت صاغرة لتلحق به وقلبها يدق في ارتعاب شديد. لم يتوقف لسانها عن الدعاء له بظهر الغيب طوال المسافة إلى المشفى راجية المولى عز وجل أن ينجيه من محنته الصحية الطارئة.
طوال الطريق إلى المشفى المتواجد به عمها حاول عمر مواساتها بالكلمات المطمئنة ليخفف من وطأة الأمر عليها خاصة حينما تصل إلى هناك وتعرف أكثر عن طبيعة حالته المړضية فتبدو متهيأة نسبيا لما يمكن أن تواجهه .. حقا بدت بهاء ممتنة لوجوده وإلا لما تماسكت أمام زوجة عمها المغلوبة على أمرها. فور أن استعلمت من استقبال المشفى عن مكانه استقلت المصعد في الحال لتتواجد في الطابق الماكث به ركضت حتى نهاية الرواق المستطيل عندما لمحت فادية واقفة أمام باب مغلق وصلت إليها وراحت تسألها في صوت لاهث قلق للغاية
هو عامل إيه دلوقت
وزعت زوجة عمها نظراتها بينها وبين عمر الذي تفاجأت بوجوده قبل أن تجاوبها في تنهيدة ارتياح
الحمد لله الدكتور طمنا.
سألها عمر مستفهما
حصله إيه
اتجهت ببصرها نحوه لتجاوبه
كانت غيبوبة سكر ولو مكونتش لحقته كان راح فيها.
أومأ برأسه معقبا
قدر ولطف.
بينما همهمت بهاء شاكرة وقد تراخى جسدها المتصلب نسبيا
الحمد لله يا رب.
التقطت أنفاسها لتسألها
هو الدكتور قال نقدر نشوفه امتى
أجابتها وهي تنظر نحو الباب المغلق
كمان شوية.
تكلم عمر بشكل آلي
حمدلله على سلامته.
ردت
مبتسمة في امتنان
كتر خيرك يا ابني دوشناك على الفاضي.
في عتاب مشوب بالتهذيب عقب عليها
مايصحش الكلام ده عم سليمان غالي عندي.
أضافت بهاء قائلة بتحرج
احنا عطلناك معانا يا سيادة الرائد.
قال بجدية
أنا مورياش حاجة وبعدين هفضل معاكو لحد ما أوصلكم البيت.
شكرته فادية بصدق
والله ما عارفة أقولك إيه إنت يعتبر من العيلة دلوقت.
ابتسم بلباقة وهو يرد
ده أكيد.
انسحب بعدها متراجعا عدة خطوات للخلف ليترك لهما مساحة من الخصوصية للحديث فاستغلت فادية الفرصة وتحركت في خفة نحو بهاء لتجذبها قليلا تجاهها حتى تتمكن من الهمس لها
شايفة ابن الأصول بيتصرف إزاي
سددت لها الأخيرة نظرة محذرة قبل أن ترد بصوت خاڤت
مش وقته يا مرات عمي.
في نفس الصوت الخفيض فاهت بتفاخر
ربنا يحميه لشبابه هو ده اللي يقدر يصونك.
قصف قلب بهاء بقوة من تصريحها العفوي ونظرت تلقائيا تجاهه لتجده مرتكنا بظهره على الحائط فتأملته في إعجاب قبل أن يمسك بها مجددا وهي تحدق به بهذه الطريقة الهائمة سرعان ما خفضت من عينيها مستشعرة موجات الخجل والارتباك التي اجتاحتها من كل صوب وكأنها ارتكبت ما يحرجها ويكشف عن مشاعرها علنا لكنه كان مسرورا من داخله لأنها وإن ادعت العكس كانت تظهر اهتماما ملحوظا به.
لم تتوقف عن الإطراء عليه وعن مدح تصرفاته اللائقة مع العائلة منذ أن عادت إلى المنزل مع زوجها الذي استعاد عافيته لينظر إليها مليا وهو متعجب من مدى اهتمامها بشأن هذا الشاب المثابر. جمعت فادية المتسخ من الثياب في كومة صغيرة فوق طرف الفراش لتستمر في ثنائها على عمر هاتفة
وإنت شوفت بنفسك شهامته وجدعتنه وده مش من دلوقت لأ من زمان.
هز سليمان رأسه معقبا
فيه الخير متربي على الأصول.
سألته دون تمهيد كأنما تفكر بصوت مسموع
تفتكر ممكن يتقدم ل بهاء ويخطبها
استغرب من تطرقها لهذا الموضوع تحديدا وعلق برد دبلوماسي
الله أعلم!
تنهدت قائلة في نبرة حالمة
أنا حاسة إن عينه منها.
سألها متعجبا
وإنتي إيش عرفك
أكدت له عن يقين
إحساسي عمره ما يخيب أبدا.
نصحها قائلا بشيء من المنطقية
أنا رأيي بلاش نتعشم في حاجات احنا مش متأكدين منها لسه استني لما يكون في حاجة الأول.
رفعت بصرها للسماء مرددة بنبرة متضرعة
يا رب يجعلها نصيب معاه.
.................................................
كانت ممتنة لأنها تتحدث هاتفيا وليس عبر مكالمة مرئية فلا ترى رفيقتها ما يطغى على قسمات وجهها من تعابير سارة ومبتهجة لمجرد تطرقهما للحديث عنه فقد تشاغلت بهاء به مؤخرا وأصبح بالنسبة لها إدمانا لا تود أبدا التعافي منه فراحت تستفيض في الحديث عما يخصه بغير كلل أو ملل. مجددا أكدت بسنت بما لا يدع مجالا للشك
اقسم بالله شكله واقع لشوشته فيكي.
ردت عليها في تحرج وهي تتقلب على فراشها
بلاش تحلفي.
أخبرتها في نفس اللهجة المؤكدة
هو مش مجبر يعمل كده معاكي إنتي بالذات بس إنتي فارقة معاه أوي.
في تحير غلف نبرتها تساءلت بهاء وهي تضم وسادتها إلى صدرها
طب وبعدين المفروض اللي يحصل بعد كده إيه
صمتت قليلا لتفكر قبل أن تقول
أكيد مش هيفوت آخر يوم في التدريب إلا لما يفاتحك في حاجة.
سألتها بغير اقتناع
تفتكري
جاء ردها حاسما
طبعا وإلا هتضيع الفرصة عليه.
حررت زفرة بطيئة من رئتيها لتعلق بعدها بنبرة متمنية
أما نشوف.
حلقت بنعومة في فضاءات الخيال الوردية طامعة أن يكون ما تصبو إليه حقيقة واقعة وليس افتراض رغبات نفسها المتلهفة عليه.
غير عابئ بما تعرضه شاشة التلفاز جلس عمر على الأريكة المبطنة شاردا في صالة منزله وعقله مزدحم بعشرات الأفكار المتحيرات تحصن بصمته رغم الصخب الدائر في دواخله فاقتراب نهاية التدريب يعني حرمانه من فرصة رؤيتها مرة أخرى
وكيف يتسنى له لقائها في الخارج وبأي حجة أو عذر أحس بالإحباط والأسى لكونه عاجز عن فعل ذلك. لاحظت السيدة نهيرة سكوته واستغراقه في التفكير العميق فانتشلته من سرحانه الغريب بسؤالها المرتب
أنا ملاحظة إنك بتسرح كتير الأيام دي!
تنبه لها واعتدل في جلسته فاستأنفت حديثها إليه
في واحدة شاغلة بالك ولا إيه
الهروب من الاعتراف بما يضمر في صدره لن يفيده بأي حال لذا لم ينكر الأمر وأجابها باقتضاب حائر
يعني.
بدت سعيدة إلى حد ما لكون إحداهن قد نجحت في الاستحواذ على اهتمام ابنها ولهذا انتقلت لسؤالها التالي بحذر
أعرفها
لم يراوغها في الرد حينما أجاب
هي بنت أخو عم سليمان صاحب بابا الله يرحمه.
انفرجت أساريرها مرددة باهتمام وفضول
أه عارفاه ده راجل محترم مش هي اللي أخوك كان بيتكلم عنها ساعة الفرح
جاء رده مؤكدا رغم اختصاره
أيوه.
سألته في تحمس
وهي رأيها إيه
تهدل كتفاه مرددا بملامح قلقة
لسه مش عارف.
كعادته تطفل عامر على حوارهما متسائلا وهو يقضم ثمرة التفاح
بتتكلموا عن مين
رفع عمر عينيه ناحيته معقبا بتساؤل منزعج
إنت هتروح وحدتك إمتى
ارتمى بجسده على الأريكة ليجاوبه بأريحية
أنا أجازة يا سيدي...
مستخدما أسلوبه الفضولي تابع متسائلا
برضوه ماقولتوش مين دي اللي بتتكلموا عنها
هذه المرة أجابته السيدة نهيرة مبتسمة في حبور
قريبة عم سليمان.
هلل في غبطة
المزة إياها مش أنا قولتلك يا ماما هينخ ويقولك عايزها
هزت رأسها توافقه
مظبوط.
وجه بعدها سؤاله لشقيقه الأصغر متسائلا باهتمام
والمزة رأيها إيه
قال بفم مقلوب
معرفش!
فيما يشبه النصيحة أخبره
طب ما تجس نبضها وتشوف الدنيا.
رد في إيجاز
هحاول.
استحثه على عدم التراخي محفزا إياه بنبرة حماسية غريبة
جرى إيه يا سيادة الرائد مش معقول خططك الجهنمية في الھجوم والاقټحام مجابتش نتيجة معاها.
فسر له سبب تردده في اتخاذ خطوة جادة معها بقوله
ما هو أنا ماتكلمتش معاها نهائي في أي حاجة غير الدراسة وبس.
في تهكم بائن علق
فالح.
بنبرة متحيرة سأله عمر مبديا حاجته لدعمه
شور عليا أعمل إيه
في استرخاء أكبر تكلم عامر وهو يلوك ما
متابعة القراءة