رواية ضبط واحضار بقلم منال سالم ج٢
المحتويات
لطمر تفاصيلها ستظل تؤرقها كلما تذكرت ما مرت به خلالها.
بعد تقريع وتوبيخ وتحذير قاس غادر عمر مكتب قائده باحثا عنها والقلق يعتريه ظن في البداية أنها توجهت للحمام لتختبئ به لكن العاملة المرابطة عند الباب أخبرته بعدم تواجد أي شابة بالداخل تحمل مواصفاتها فانصرف مسرعا نحو المرأب ليفتش عنها هناك. لم يجد سيارة بسنت ضمن السيارات المركونة فنفخ في انزعاج واتجه إلى خاصته ليستقلها. استوقفه أمير قبل أن يصعد إليها متسائلا بصوت شبه لاهث
مافيش حد منهم كان جوا أنا فضلت موجود جوا القاعة.
رد عليه باستياء واضح في نبرته وأيضا تعابير وجهه
العربية بتاعة صاحبتها مش موجودة أصلا.
لوى أمير ثغره معقبا
أكيد بعد اللي حاصل ده لازم تمشي.
كور عمر قبضته ضاربا بعصبية جانب سيارته وهو يهدر بتوعد
مش هفوتهالك يا أنس!
سلط رفيقه نظرته المستفهمة عليه وهو يسأله
هتعمل إيه
تجاهل الرد تحديدا على هذا السؤال وقال في عزم وهو يفتح باب سيارته
الأول لازم أروح أوضح سوء التفاهم ده واتصرف بطريقتي معاها.
تساءل أمير في اهتمام
تحب أجي معاك
أخبره بعينين تتطلعان إليه بغموض غريب
المشوار ده بالذات لازم أبقى فيه لواحدي.
استقر بعدها جالسا خلف عجلة القيادة ليضغط على دواسة البنزين منطلقا بالسيارة في إثرها وهو يأمل أن يتمكن من محو آثار تلك الذكرى بإظهار نواياه الجادة ناحيتها.
تصاعدت أبخرة الطعام المطهو من القدور الموضوعة على الموقد فأمسكت فادية بالملعقة لتتذوق الحساء الذي أعدته ابتسمت لنفسها في تفاخر لنجاحها في تطبيق الوصفة الجديدة ببراعة وراحت تتفقد باقي الأصناف بكل همة ونشاط. انتبهت لرنين هاتفها المحمول فجففت يدها الرطبة في مريلة المطبخ والتقطته من على الطاولة الرخامية لتتفاجأ ب بهاء تعتذر لها عن القدوم وتناول طعام الغداء معهما. استغربت لعزوفها وسألتها في توجس
أوعي تكوني عيانة ومش عايزة تخضينا عليكي!
جاء صوتها مهموما
لا والله بس أنا فعلا ماليش نفس.
سكتت لهنيهة قبل أن تقترح عليها بنبرة أمومية حانية
طب لما عمك يجي أكلمك علشان تتغدي معانا
استمرت على رفضها قائلة
مافيش داعي أنا هغير هدومي وأنام.
تساءلت في اندهاش مشوب بالحيرة
وماتناميش ليه عندنا لازم تفضلي لواحدك يعني
كانت بهاء فاقدة للرغبة في الجدال أو النقاش حول أي شيء لهذا أنهت معها المكالمة فجأة
معلش يا طنط سلام دلوقتي.
تعجبت فادية أكثر لتصرفها المتجافي وتساءلت مع نفسها في حيرة
هو إيه بس اللي جرالها دي كانت نازلة الصبح ومزاجها عال العال!
تركت هاتفها جانبا واتجهت إلى الموقد وهي تقول في عزم
أما يجي سليمان هبعته عندها يشوف مالها.
بعد مكالمة زوجة عمها كان حلقها بالغ الجفاف فاتجهت إلى المطبخ وارتوت بكأسين كاملين من المياه الباردة تركت الزجاجة الفارغة في الحوض لتعيد ملئها لاحقا بمياه الفلتر. لم يتوقف عقلها المشحون عن التفكير للحظة حاولت التظاهر بأن شيئا لم يحدث وعادت للجلوس في الصالة أمسكت مرة ثانية بهاتفها المحمول تقلب فيه لكن للأسف عجت صفحات التواصل الخاصة بالدارسين في الأكاديمية بعشرات التعليقات الفضولية المناقشة لما حدث. ألقته في عصبية على الأريكة بجانبها وهمهمت في حمئة
حسبي الله ونعم الوكيل.
وجدت رسالة صوتية من
رفيقتها ميرا فلم تبد مهتمة بمعرفة فحواها ورددت بتأفف
مش وقتك خالص.
هاتفتها بسنت للمرة الرابعة على التوالي ومع ذلك تجاهلت اتصالاتها المتكررة لتتجه بتثاقل نحو الحمام فقامت بملء المغطس بالمياه بعدما سكبت فيه كمية لا بأس بها من سائل الاستحمام. تنهدت بإرهاق قبل أن تحادث نفسها
مافيش غير دش مياه سخنة ينسي الواحد كل همومه!
إلحاح رنين الهاتف أجبر بهاء على العودة إلى صالة المنزل دون أن يشتم أنفها هذه الرائحة الغريبة المنبعثة بداخل الحمام فقد بدا وكأن هناك عطب ما بأنابيب الغاز فأخذ يتسرب منه ناشرا رائحته المميزة في المكان.
التقطت بهاء هاتفها من على الأريكة كانت مرغمة على الإجابة عليها وإلا لما تركتها لشأنها فردت على مضض دون مقدمات
بسنت أنا هكلمك بعدين سيبني على راحتي أوكي.
هتفت الأخيرة بتعجل قبل أن تغلق الخط مباشرة
ماشي بس عايزة أقولك على حاجة كده في السريع.
لم تكن مهتمة بالأمر فأفصحت عن ذلك وهي تجلس على مسند الأريكة
مش عايزة أعرف.
بلا تمهيد نزعت فتيل قنبلتها المدوية بقولها الصاډم
ميرا ورا اللي حصلك
انتفضت واقفة لتهتف مذهولة
نعم
أكدت لها بشيء من الإسهاب
أيوه أنا عرفت من واحدة من شلتنا إنها اتفقت مع أنس يعملوا المقلب ده فيكي علشان يضايقوكي في الحفلة.
ارتفعت وتيرة الڠضب في نبرتها وهي تسألها مستنكرة
وعلشان إيه كل ده
جاء تعقيبها مزعوجا مثلها
بصراحة أنا مصډومة فيها.
إحساسها بالغيظ قهرها أكثر فلم تستطع كبح شعورها الحقد تجاهها فراحت تتوعدها بحړقة
وأنا مش هفوتهالها مش كل مرة تعمل مصېبة وأنا أساعدها تخرج منها وفي الآخر تيجي على دماغي.
في نوع من الندم تحدثت إليها
الواحد مش عارف يقول إيه مكونتش أتخيل إنها كده ده احنا عشرة عمر معاها.
ثم انتقلت لسؤالها في حذر
صحيح إنتي قريتي اللي على الجروبات
بعد زفرة سريعة اقتضبت في الرد
أيوه.
حاولت التهوين عليها بإخبارها
أنا عرفت إن القائد مش هيفوت اللي حصل على خير.
قالت بعبوس
والمفروض أتبسط وأبقى بكده خدت حقي
علقت عليها في الحال
مقصدش بس احنا نقول الحمد لله إن ده حصل في آخر يوم وأنه آ...
ظهر التردد في كلماتها الأخيرة فبدت وكأنها لا تجد المناسب من العبارات لتخفف من ضيقها على عكسها أكملت بهاء ما عجزت رفيقتها عن إتمامها بصياحها
وإلا كانوا عايروني للصبح مش ده اللي عايزة تقوليه
ردت عليها بنبرة شبه مهتزة
مش كده بس يعني...
قاطعتها في حدة
مش محتاجة تبرري يا بسنت أنا مش هسكت عن حقي.
رجتها في خيفة
طب إهدي وخلينا نتكلم تاني لما تروقي شوية.
اختتمت معها المكالمة وهي تمرر أصابعها المشدودة في شعرها سارت عائدة إلى الحمام وهي تدمدم بانفعال
بقى يطلع منك كل ده يا ميرا
آنئذ زكم أنفها الرائحة الغريبة للغاز المتسرب من سخانها فانتابها القلق وتساءلت وهي تفتش عن مكان انبعاثه به
ده جاي منين
كحركة تلقائية اتجهت نحو نافذة الحمام لتفتحها لتقوم بتهوية المكان من الرائحة الخانقة لكنها لم تنتبه للأرض الزلقة التي تناثرت بها فقاقيع صابون سائل الاستحمام فانزلقت قدمها ولم تتمكن من الحفاظ على اتزانها لتسقط أرضا صاړخة بفزع ورأسها قد ارتطم بحافة الحوض الغليظة ففقدت وعيها في الحال.
احتاج لبعض الوقت حتى يتمكن من استعادة هدوئه وترتيب أفكار رأسه قبل أن يترجل من سيارته قاصدا مقابلتها في منزل عمها بحضوره وطلب خطبتها رسميا. لم يعبأ إن كان مجيئه بدون موعد أو أنه تجاوز خطة شقيقه في التودد أولا إليها وجس نبضها كما أخبره ليتأكد من انجذابها إليه أو حتى ارتدائه لملابس مناسبة نسى كل شيء بعد الذي صار وأصبح عاقدا العزم على ألا يدع اليوم يمرق
دون أن تتأكد من صدق مشاعره نحوها.
لم يكن عمر بحاجة لسؤال أحدهم عن منزل عمها صعد إليه بسهولة وفي وقت وجيز ليقرع الجرس بعدها منتظرا بتأهب قيامها بفتحه تذكر المرة اليتيمة التي رآها فيها هنا وكانت تحمل في يدها كيس القمامة معتقدة أنه حارس البناية وقد جاء لأخذه منها. ابتسم بشكل عفوي وردد في مرح مع نفسه وبلا صوت
الظاهر كان معروف إني هشيل الژبالة في الآخر!
تصلب في وقفته عندما فتحت فادية الباب لتجده قبالتها طالعته بنظرة مدهوشة قبل أن تحرك شفتيها لتلاحقه بأسئلتها وهذا التعبير المدهوش يحتل كامل وجهها
سيادة الرائد خير جاي عندنا ليه في حاجة حصلت
استقبل اندهاشها بهدوء فسألها بأدب
عم سليمان موجود
أجابته بحاجبين معقودين
لأ بس هو في الطريق.
ابتلع ريقه متابعا بقليل من التردد
طب بهاء .. آ.. قصدي الآنسة بهاء موجودة
هزت رأسها قائلة وهي تشير بإصبعها للأمام
أيوه بس في شقتها!
تلقائيا اتجه برأسه إلى حيث أشارت مرددا في استغراب
شقتها
أوضحت له بابتسامة عريضة
هي ساكنة قصادنا يعني معظم الوقت معانا بس ساعات بتفضل في بيتها لو هي مضايقة ولا مخڼوقة ولا حاجة شاغلة دماغها.
في التو رجح سبب عزلتها الحالية هو ما تعرضت له من موقف محرج فطلب منها برجاء محسوس في نبرته
طب أنا عايز أتكلم معاها ضروري في مسألة مهمة.
فسرت فادية اهتمامه بشأنها بشيء آخر تحبذ تمام حدوثه في المستقبل القريب لهذا لم تمانع على الإطلاق طلبه وحركت رأسها هاتفة بحماس
حاضر.
اتجهت ناحية باب منزلها لتدق عليه ويدها الأخرى تقرع الجرس قبل أن تصيح في صوت مرتفع
بهاء افتحي يا حبيبتي.
لم تتلق أي استجابة منها فتصنعت الضحك واستدارت برأسها نصف استدارة لتتحجج له
أصلها كانت جاية تعبانة فاحتمال تكون نامت ومش سامعة الباب.
حملق فيها بنظرة مستريبة فأضافت وهي تستخدم يدها في الإشارة
أنا عندي المفتاح بتاع شقتها استنى هجيبه من الدرج وأرجعلك.
قال مومئا برأسه
يا ريت.
انتظر ذهابها ليبدأ في الطرق على الباب مناديا
آنسة بهاء لو سمحتي افتحي.
تريث للحظات وهو يتساءل مع نفسه
مش معقولة مطنشاني!
راوده هاجس مزعج باحتمالية اعتقادها في تورطه في هذا المقلب السخيف فانتفضت أوصاله وراح يدق على الباب مكملا ندائه القلق
آنسة بهاء من فضلك افتحي لازم أكلمك وأفهمك اللي حصل.
عادت إليه فادية وهي ترسم على ثغرها تلك الابتسامة السخيفة تعللت مجددا بمزيد من الأعذار
ممكن تكون نايمة ما هي بتتعب معاكو على الآخر.
أخبرها بجدية
احنا خلصنا تدريب.
شعرت بالحرج الطفيف من توضيحه وقالت
على البركة يا رب.
قامت فادية بفتح الباب في تلكؤ وهي تستمر في مخاطبته بودية كأنما تسترسل في محاسنها
تعرف يا سيادة الرائد ولا ليك عليا حلفان بهاء دي متربية على إيدي تربية زمان المحترمة حاجة معدتش في منها دلوقت.
رد من خلفها
ما أنا عارف.
ضحكت بتكلف قبل أن تقول
أصيل ..
ثم تنهدت رافعة بصرها للسماء وهي تدعو المولى في سريرتها
يا رب يبختلك معاه يا بيبو.
ما إن ولجت إلى الداخل حتى اشتمت تلك الرائحة المكتومة تحرجت من إهمال بهاء لتهوية منزلها جيدا وقالت وهي تشير بيدها ليجلس
اتفضل استناها هنا وأنا هخش أشوفها جوا.
سار تجاه أقرب أريكة مرددا في طاعة وعيناه تتابعان حركتها
تمام.
التقط أنفه نفس الرائحة الغريبة لكنه على عكس مضيفته استطاع أن يتبين ماهيتها فهب واقفا ليقول بتوجس وهو يطوف ببصره في الأرجاء
في ريحة غاز في المكان!
بلا استئذان اتجه نحو النافذة الموجودة بصالة المنزل ليقوم بفتحها أولا قبل أن يبحث عن مصدر هذه الرائحة النفاذة. تسمر في مكانه مڤزوعا عندما سمع صوت فادية ېصرخ مستغيثا
يا نصيبتي بهاء!
في التو اندفع نحو
الداخل ليجدها تستنجد به رغم السعال الذي أصابها فجأة
الحقني يا سيادة الرائد.
أرشدته إلى الحمام فانخفضت عيناه على الأرضية ليجد بهاء راقدة عليها بلا حراك انقبض قلبه في ذعر كبير وقال مطمئنا إياها إن لم يكن نفسه أولا
إن شاءالله هتبقى كويسة.
لف ساعده حول أنفه ليمنع رائحة الغاز من اقټحام رئتيه وأمرها في صوت جاد
في تسريب غاز في الشقة اقفلي المحبس لو في المطبخ واطلبي طوارئ الغاز أوام.
هزت رأسها هاتفة في طاعة
حاضر.
انطلق صوبها متخذا
متابعة القراءة