رواية ضبط واحضار بقلم منال سالم ج٢
المحتويات
المرصوصة ليراجع ما بها من تقارير وهو يقاوم بشدة رغبته في ترك كل شيء خلفه والذهاب إليها للبقاء معها.
وفق الميعاد المتفق عليه بمنزل العائلة اجتمع أفراد الأسرتين بجانب بعض الأصدقاء المقربين لحضور مراسم حفل الخطبة البسيط. تأنقت بهاء في ثوب رقيق من اللون السماوي تمتد أكمامه حتى معصميها وحتى فتحة عنقه كانت صغيرة غير كاشفة لأي من مفاتنها. خطفت الأنظار حقا بأناقتها الرقيقة وجمالها غير المتكلف. بالكاد حاول عمر إبعاد ناظريه عنها ومع هذا كان يعجز عن التوقف عن تأملها.
المماطلة وإضاعة الوقت في الحديث عن مواضيع شتى ليس لها أي صلة بما جاءوا من أجله جعلت أعصابه تبدو على المحك بالرغم من الهدوء الزائف الظاهر على محياه لكنه رغب وبشدة الدخول في جوهر الموضوع مباشرة.
مستخدما طريقته الطريفة في التحاور تساءل عامر وهو يبتسم لشقيقه ابتسامة عريضة تمتد من الأذن للأذن
هتتكلم ولا أتكلم أنا يا عريس
رد عليه بصوت خفيض وهو يرمقه بتلك النظرة
مش إنت عامل فيها ولي أمري اتكلم براحتك.
ظهر الحماس عليه أكثر معقبا
زي الفل.
الټفت بعدها ناظرا إلى عم العروسة ليستطرد بجدية
احنا النهاردة جايين يا عم سليمان علشان نخطب إيدك بنتكم المصونة الآنسة بهاء لأخويا عمر.
رد عليه مضيفه مسرور التعبيرات قائلا في تفاخر
احنا نتشرف
بيكم.
أضاف عامر مؤكدا وهو يشير نحوه بإصبعه
ومش هنختلف بأمر الله كل طلباتكم هتتعمل طالما نقدر على ده.
هز رأسه بالإيجاب قبل أن يقول
على خير يا رب.
تدخلت فادية في الحديث هاتفة بنبرتها الحماسية الواضحة
نقرى الفاتحة بقى.
قال زوجها في استحسان
على بركة الله.
تلى الجميع سورة الفاتحة بأصوات خفيضة هامسة ليردد عامر في نشوة وفرح بمجرد أن انتهوا منها وهو يشير نحو النساء المجتمعات حول العروس الخجول
سمعونا زغرودة حلوة.
انطلقت من فم فادية دفقة متواترة من الزغاريد المبتهجة والمصحوبة بتصفيقات وتهليلات من البقية ليردف عمر في صوت جاد
إن شاء الله العروسة تنزل تختار الشبكة اللي هي حباها.
وقتئذ رد عليه سليمان مبتسما بوقار
احنا بنشتري راجل والأهم عندي إنه يصونها ويراعي ربنا فيها.
أكد له عمر بما لا يدع مجالا للشك في نفسه
اطمن يا عمي دي هتبقى كل دنيتي.
شعرت بهاء بالخجل من غزله المتواري وأطرقت رأسها تجنبا للنظرات المحدقة بها لكنها أدارت رأسها في اتجاه رفيقتها بسنت عندما انحنت عليها لتهنئها بسعادة كبيرة
مبروك يا بيبو.
بادلتها الابتسام قائلة
حبيبتي يا بسبوسة عقبالك إن شاءالله.
اعتدلت بسنت في وقفتها ثم تراجعت خطوتين للخلف لتترك المجال للضيوف لتهنئة العروس آنئذ وجدت أمير قادما نحوها وهو يحمل في يده كأس المشروب ناوله إياها قائلا
اتفضلي أنا جايبلك الشربات بنفسي.
أخذته منه بلا ابتسام وتعاملت معه بشكل رسمي
شكرا يا فندم.
رفع حاجبه للأعلى وعاتبها في رقة
مافيش داعي للرسميات هنا ده احنا في أجواء فرح وحاجات لطيفة.
اكتفت بهز رأسها فحاول استطالة الحديث معها بسؤالها صراحة
إنتي مرتبطة
تفاجأت من سؤاله الغريب وردت نافية وهذا التعبير الجاد لا يزال متواجدا على قسماتها
لأ.
انتقل إلى استفساره التالي مستعلما
بتفكري في ده طيب
على نفس الوتيرة الجادة اقتضبت في الرد
لأ.
قال وهو يبتسم لها بمرح
إن شاء الله تغيري رأيك قريب لما تلاقي اللي يقدرك.
تعاملت معه بجفاء غريب
ربنا يسهل...
قبل أن يفكر في قول المزيد أخبرته
عن إذنك هشوف العروسة وطنط فادية لو عايزين حاجة.
تنحنح مرددا وهو يتنحى للجانب
اتفضلي.
تركته في موضع وقوفه لتعود إلى العروس التي كانت تتابع ما يدور بينهما بفضول ما إن أصبحت قريبة منها حتى أشارت لها لتجلس على مسند أريكتها ثم سألتها
إيه الحوار
أجابتها بسنت وهي تضبط الشال على كتفيها
بيلمح عن ارتباطات وكلام مش فاهماه.
أعطتها هذه النظرة المتشككة وهي تسألها
عليا برضوه ده الأعمى يفهم الحركات بتاعته!
تنهدت سريعا لتخبرها بحذر
خليني أعمل عبيطة أحسن لحد أما أشوف إن كان فعلا بيتكلم جد ولا بيتسلى زي ناس وإنتي بنفسك شوفتي اللي حصل في موضوع ميرا
تفهمت لموقفها المحتاط وقالت
أوكي يا حبيبتي.
وسط غمرة الفرحة السائدة في الأجواء انقطع التيار الكهربي فجأة لتصدر صيحات التذمر والاستهجان فصاحت فادية في ضيق
النور قطع.
رد عليها أحدهم لم تتبين من صاحب الصوت
وده وقته
سرعان ما استخدم الجميع الإنارة المنبعثة من الهواتف المحمولة ليتمكنوا من رؤية بعضهم البعض فاستطرد عامر
في صوت جاد
خلينا نكلم حد في شركة الكهربا يرجعه.
مازحه أمير بغمزة من طرف عينه
ده إنت واصل بقى!
تحرك بعيدا عن التجمع وهو يقول بنبرته العازمة
سيبوني أتصرف إدوني دقيقة بس.
علقت بهاء على ما حدث في خطبتها هاتفة بضيق
خطوبة على كشاف الموبايل أنا عارفة حظي.
تحدث إليها عمر في مرح
كفاية نورك عليا.
سألته بتحفز وبحاجبين معقودين
تريقة ولا جد
استطاعت أن ترى ابتسامته العذبة تتلألأ تحت الأضواء الخاڤتة وهو يخاطبها
أنا برضوه بتاع تريقة
أسرتها خفة دمه كالعادة فبادلته الابتسام الجميل واستمتعت قدر المستطاع بأجواء خطبتها رغم تلك العقبة المباغتة.
لم تكن لتدع تلك المناسبة تمر دون أن تعلم رفيقة السوء بما جرى ليس لأنها تهتم بها ولكن لتشعرها بأن حقارة تصرفاتها الأخيرة لم تأت بنتائجها السلبية عليها بل على العكس قربت بين الاثنين أكثر وجعلت الأمور تتخذ منحنا جادا معهما لهذا بعدما سمحت لها بهاء بفعل ذلك قامت بسنت بمهاتفة ميرا بعد يومين من انقضاء حفل الخطبة لتتأكد إن كانت الأنباء قد بلغتها أم لا استطردت معها المكالمة متسائلة في عتاب
يعني إن مكونتش أسأل مطنشاني خالص كده
بتأفف محسوس في صوتها علقت
مشغولة يا بسنت مش فاضية.
سخرت منها بنبرتها الهازئة
أه طبعا ما إنتي سيدة أعمال مهمة.
اشتاطت ڠضبا من أسلوبها التهكمي وحذرتها في تعصب
بطلي تريقة.
ابتسمت لأنها نجحت في استفزازها وزادت من ذلك أيضا بإضافتها المتعمدة
طيب أنا قولت أعرفك إن بهاء اتخطبت.
صمتت للحظات كأنها تستوعب الصدمة لتعقب بوجوم بائن على نبرتها
والله .. كويس.
تابعت بسنت على نفس المنوال
عارفة لمين
قالت وكأنها لا تبالي
عادي يعني مش فارقة.
كم تمنت بشدة أن ترى تعبيرات وجهها وهي تنزع فتيل قنبلتها الفتاكة
للرائد عمر اللي كان مسئول عن تدريبنا.
سمعت نبرتها التي تحولت للصړاخ الحاد حينما سألتها
بتتكلمي جد
اضطرت للحظة أن تبعد الهاتف عن أذنها ثم أعادته إليها مؤكدة عليها بتشف
أيوه طبعا أومال أنا بتصل أعرفك ليه!
استمرت على حدة صړاخها وهي تسألها
طب إزاي وخصوصا بعد اللي حصل في الحفلة ده المفروض تكون قطعت معاه
ضحكت بسنت بافتعال فقط لتغيظها ثم استرسلت في الشرح لها
بصراحة هو من قبلها وحاطط عينه عليها وكان مستني الفرصة إنه يتقدملها واللي اتعمل في الحفلة ساعده كتير إنه يقرب منها ويبقى في بينهم ارتباط رسمي وقريب أوي هنحضر فرحهم.
ببساطة شديدة نجحت في تعكير صفوها وما أكد على ذلك إنهائها المفاجئ لمكالمتهما
طب اقفلي دلوقت مامي بتنادي عليا.
لم تبد ممانعة وردت
أوكي سلام!
استرخت بسنت أكثر وقالت وهي تمط ذراعيها في الهواء بأريحية واضحة
شكلها هتطق من الغيظ.
ضحكت في انتشاء وقالت
تستاهل.
في وقت لاحق استجابت على مضض لإلحاحه المزعج بمقابلته رغم نيتها بتجنب الالتقاء به نظرا لعجزها عن تقديم العون له في مسألته خاصة بعدما رفض والدها التوسط في موضوعه لعدم أهميته بالنسبة إليه. جلست ميرا في مواجهة أنس بأحد المقاهي الشهيرة بمركز المدينة انتظرت
ذهاب النادل لإحضار طلبها لتقوم بإخراج سېجارة من علبة السچائر باهظة الثمن التي بحوزتها أشعلت طرفها وسحبت نفسا عميقا إلى رئتيها قبل أن تنفث الدخان دفعة واحدة في الهواء مستأنفة كلامها معه في شيء من الغموض
عرفت إن صاحبك خطب!
نظر إليها متسائلا بتحير
بتتكلمي عن مين
لوت ثغرها قائلة في سخط عظيم معكوس على تقاسيم وجهها
عمر ومش أي واحدة خطبها دي بهاء.
أصبح من الصعب معرفة أي أخبار مستجدة عن البقية بسبب انتقاله للعمل في مكان آخر واستبعاده من مراسلات الأكاديمية الرسمية وغير الرسمية. تحفز في جلسته هاتفا باستنكار
نعم!!!
ردة الفعل التي أظهرها أدهشتها وعلقت على ذلك في استهجان ساخر منه
واضح إنك آخر من يعلم.
كظم كمده مرغما ليسألها بعبوس
سيبك منهم دلوقت وقوليلي عملتي إيه في موضوعي
حسنا لم ترغب في منحه الرد المباشر بالرفض على مساعدته فادعت كاذبة
قولت لبابي وقالي هيتصرف قريب.
كور قبضته ضاربا سطح المائدة في تعصب وهو يخبرها
حاولي تزني عليه منظري وحش أوي قصاد زمايلي.
بلا ابتسام ردت
أوكي طيب.
بس إنت هتعمل إيه بعد خبر الخطوبة ده
أرجع ظهره للخلف قائلا بفتور
ولا يهمني هو اللي عايز يلبس يشيل براحته.
استغربت للغاية من بروده وسألته في إنكار
يعني مش مضايق
قال وهو يشعل سېجارة أخذها من علبة سجائرها
وأنا هستفيد إيه لما أضايق ما كفاية المشكلة اللي وقعت فيها بسببك.
استخدم القداحة في إشعالها لتنظر إليه بتأفف قبل أن تعلمه
أنا هشرب قهوتي وأمشي ورايا حاجات لازم أعملها.
قام واقفا وهو يلملم أشيائه معقبا بسخافة
براحتك بس ماتنسنيش يا مزة!
توقعت أن يقوم بسداد فاتورة الحساب لكن لدهشتها انصرف دون أن يبالي بالتصرف بلباقة وتهذيب معها فانزعجت لذلك ونعتته باستحقار
غبي!
كانت على موعد مع السعادة الحقيقية بظهوره في هذه المحطة من حياتها فأصبحت لحظاتهما معا تجسيدا لما كانت تطمره نفسيهما الداخلية من مشاعر صادقة لا تشوبها شائبة. خلل عمر أصابعه في أنامل معشوقته ليتشابك كفيهما معا ثم راح يطالعها بنظرة والهة فبادلته بأخرى شغوفة قبل أن يستحثها على السير معه في ممشى المارة المتخم بمحال متنوعة ومطاعم مختلفة وأماكن أخرى للترفيه ابتسم لها متسائلا في سعادة لم يخفها
دي أول خروجة رسمي لينا سوا تحبي تروحي فين
هزت بهاء كتفيها قائلة بوجه مشبع بخجل ممزوج بالفرح
أي حتة.
اقترح عليها وهو يشير بعينيه إلى الأمام
سينما حلو
هزت رأسها قائلة
ماشي.
أضاف كذلك بحماس
وبعدها نروح أي مطعم ناكل سوا.
ابتسمت لاقتراحه ورحبت به
اتفقنا.
نظرت إليه من جانبها فشعرت بتأجج عواطفها اللهفى تجاهه كان وسيما عن قرب وجذابا عن بعد أحست وكأنها نالت كل الحظ بارتباطهما الجاد خفق قلبها بقوة وسعادة فتضرعت للمولى في سرها أن تكتمل خطبتها على خير وألا يظهر ما يفسد الود بينهما لكونها تعلم بالنوايا الشريرة لأصدقاء السوء سواء كانت ميرا أو أنس وكلاهما لن يمررا الأمر على خير دون أن يحولا فرحتهما إلى تعاسة.
مضت
أوقاتهما السعيدة سريعا وحان وقت العودة إلى المنزل فاستقلا سيارته معا ليصل بها إلى هناك بعد جولة في الطرقات والشوارع. أبطأ عمر من السرعة تدريجيا إلى توقف المحرك تماما فالټفت إلى جانبه لينظر إليها بنظرته العطوفة الشغوفة ابتسمت في حياء لنظراته وزادت ابتسامتها اتساعا وهو يخاطبها
قبل الساعة عشرة أهو عند بيتك.
ردت عليه وهي ترمش بعينيها
كده عمي هيقدرك بزيادة.
قال وهو يريح مرفقه على المقود
وأنا يهمني رضاه دلوقت لحد ما ربنا ييسر ونكون سوا.
عقب كلماته تلك زادت السخونة المتدفقة إلى وجهها فأطرقت رأسها مرددة بصوت خاڤت خجل
إن شاء الله.
قبل أن تهم بمغادرة السيارة استوقفها بسؤاله الفضولي
كنت عايز أسألك سؤال معين كده من زمان.
نظرت إليه قائلة
اتفضل.
ركز بصره عليها متابعا باهتمام
ليه سموكي بهاء من المعروف إنه اسم ولد غريبة أشوفه على بنت.
توقعت أن
متابعة القراءة