رواية فاذا القلب هوى بقلم منال سالم ج٥
يقبل بالرفض مطلقا لذلك عمدت إلى استخدام أسلوب الرفق معه وضعت كفها على طرف ذقنه لتمسح عليه بحنو وهي تقول
شوية وهارقص معاك
حرك رأسه وهو يقفز مرحا في مكانه ثم اندفع عائدا ليلهو مع الصغار بالقاعة أمسك دياب بكف يدها ضاغطا عليه بأصابعه فنظرت له بجدية قرب كفها منه وهو يمازحها قائلا
زي العسل طالع لأبوه
اكتفت بتحريك رأسها بالإيجاب وهي تستعيد يدها منه سألها بغموض غامزا بطرف عينه
ايه بقى
ردت بحدة طفيفة
نعم
تابع بابتسامة متسعة
مش هاتقولي حاجة
قوست بسمة فمها قائلة باقتضاب
لأ!
أشار لها بكفه مكملا
بشوقك المهم خمساية والبوفيه يفتح
حذرته بسمة بسبابتها بصرامة واضحة
بأقولك ايه أنا مش بتاعة حركات التورتة خد بالك!!
فهم مقصدها فيما يتعلق بتبادل القبلات العابثة أثناء تقطيع قالب الحلوى بالطبع لم يكن ليقبل بذلك أمام مرأى رفاقه من الشباب فمازالت حميته مسيطرة عليه ورغم جدية ملامحه إلا أنه رد بلطف وهو يوميء بحاجبيه
وأنا مقبلهاش أصلا
التفتت لتنظر أمامها قائلة بتنهيدة
كويس اتفقنا على حاجة
رد عليها بغموض وهو يطالعها بنظراته الوالهة
احنا متفقين من زمان بس انتي اللي مش واخدة بالك!
التقطت أذناها كلماته الصادقة ومع ذلك ظلت متيبسة في مكانها دون أن يظهر أي تغيير ملحوظ على تعابيرها فقط ضغطت على أصابعها بقوة محاولة تخفيف حدة التوتر المستحوذة عليها.
رغم ضيقه منها إلا أن أعينه كانت تعرف الطريق إليها بين الجميع انقبض قلبه بقوة حينما لم يجدها حوله لم يستطع منذر التحكم في عينيه التي بحثتا عنها بتلهف حبس أنفاسه مترقبا وهو يجول بين جموع الشباب الذين يملأون القاعة تنفس الصعداء حينما رأها تحادث والدته همس لنفسه بضيق
تعبتي أعصابي!
التفتت أسيف فجأة لتجده محدقا به حاولت أن تبتسم له لتزيل ما بينهما من مشاحنات عملا بنصائح والدته لكن عبوسه الصارم صدمها نظر لها بحدة قبل أن يوليها ظهره ويتحرك مبتعدا موجها لها صڤعة قوية في قلبها رأتها جليلة على تلك الحالة الواجمة فمسحت على ظهرها هامسة لها
معلش تلاقيه لسه مضايق بس شوفتي جه يدور عليكي لما ملاقكيش
هزت رأسها بإيماءات خفيفة رغم عدم اقتناعها بمعظم ما قالته ومع ذلك كانت محقة في أمر واحد أنه أتى من أجلها وإن كان لا يزال غاضبا تنفست بعمق مخرجة زفيرا يحمل الكثير من الهموم وتابعت بفتور باقي الحفل.
................................................
أوشك الحفل على الانتهاء وبدأ المدعوين في الانصراف واحدا تلو الأخر ولم يتبق إلا أفراد العائلتين وقليل من الحضور يتبادلون الأحاديث العابرة لاحقا توجه العروسان نحو السيارة مصحوبان بالزغاريد والدعوات بالذرية الصالحة ساعدت أسيف بسمة على وضع ثوبها إلى جوارها لتجلس بارتياح وهي تحدثها قائلة
ربنا يسعدك يا بسومة تستاهلي كل خير والله
ردت عليها ابنة عمتها بتوتر
أنا مړعوپة جدا
طمأنتها قائلة بتأكيد
مټخافيش دياب بيحبك أوي
ردت بسمة بتخوف بائن
عارفة ده بس قلقانة!
ضحكت مرددة بعبث
ده طبيعي مش عروسة بقى أومال العريس يعمل ايه
صاح دياب مهللا وهو يستقل السيارة ليجلس إلى جوار عروسه
هاترغوا كتير أنا تعبت عاوزين نروح!
ثم أدار رأسه تجاه النافذة ملوحا للواقفين
متشكرين يا جدعان
عملتوا الواجب وزيادة
رد عليه منذر بجدية
اتجدعن يا عريس وارفع راسنا
كور دياب قبضة يده قائلا بتفاخر
اطمن يا ابن أبويا انتو معاكو غضنفر أسد في البيت!
ضحك منذر من دعابته الطريفة وتابع باهتمام ركوب الجميع في السيارات لكنه لم يجلس إلى جوار زوجته التي تيقنت من استمرار ضيقه منها فكرت مليا في إزالة رواسب تلك المشاحنة الطفيفة بينهما على طريقتها الخاصة بالمنزل ربما كبرياؤه يمنعه من المبادرة بالتصالح لكنها ستسعى لكسر أي حواجز بينهما.
أعد لها المنزل الخاوي بالطابق الأخير بالبناية التي تقطن بها عائلته لتكون عش الزوجية وأسسها بكل ما تحتاج إليه من أثاث جديد وأجهزة حديثة شعرت بسمة بالارتياح لأنها لن تضطر للانتقال بعيدا عن أمها وأختها فهي تبعد فقط عنهما عدة دقائق سيرا ترجلت من السيارة بمفردها ناثرة ذيل ثوبها خلفها ودع دياب عائلته قائلا بمرح
احنا عارفين السكة من هنا
ردت عواطف بود
مش هاوصيك يا ابني على بنتي دي نور عيني
آمال رأسه مؤكدا بجدية دون أن تختفي ابتسامته
اطمني يا حماتي دي الحتة اللي في اليمين والشمال!
حمل منذر الصغير يحيى على كتفه بعد أن غفا في نهاية الحفل اتجه به لمدخل البناية بخطوات متهادية رأى والدته تصعد على الدرج بتريث تنحت للجانب لتفسح له المجال للمرور متسائلة
هو نام
أجابها بجدية مشيرا بعينيه
ايوه هاطلعه ونازل تاني
اقترحت عليه جليلة بنبرة دافئة
ما تبات يا ابني معانا
رد باقتضاب
لا
عبست قليلا بوجهها وهي ترد
ده مراتك مش هاتمانع يعني وهي....
قاطعها بهدوء
أنا عارف بس سبيني على راحتي يا أمي
هزت رأسها متفهمة وهي تقول
ماشي يا منذر وبالراحة عليها سامعني
مط فمه قائلا بتجهم
إن شاء الله
تنهدت مضيفة بتفاؤل
ربنا يهدي سركم! العين بردك عليكم!
لم يعقب عليها وواصل صعوده المتأني للطوابق العليا تبعته والدته بتريث متمتمة بكلمات خفيضة تدعو له بصلاح الحال.
ولج دياب مع حبيبته بسمة التي تأبطت ذراعه إلى مدخل البناية وقبل أن يقدم على شيء مخجل أو متهور حذرته بصرامة
مش عاوزاك تشيلي ماشي!
قطب جبينه متعجبا وهو يرد عليها ساخرا
هو أنا قادر أشيل نفسي كملي لسه السلم طويل احنا أخر دور يا أبلة!
تابعت بصلابة وقد تحولت تعبيراتها للجدية
على مهلي مش تسربعني
هز رأسه مداعبا
حاضر هاشيلك الطرحة بس ده أخري!
أكملا صعودهما على الدرجات التي لا تنتهي ببطء شديد لم ترغب في صعود والدتها معها واكتفت بتوديعها في المدخل بعد أن رأت الإرهاق متمكنا منها كذلك لم تكن بحاجة إلى وجودها فكل شيء معد سلفا في المنزل وبالتالي عدم صعودها لن يؤثر في شيء الأمر المقلق بالنسبة لها هو اختلائها معه هي متأكدة أنه لن يفوت الأمر دون أن يتودد بشتى الطرق لها وهي في حالة تعب لا تحسد عليها عصرت عقلها بشدة لتصل إلى فكرة مقنعة أو حجة ما تمكنها من تأجيل تلاحمهما الوجداني معا لكن لټصارع الأفكار في ذهنها لم تصل لشيء نفخت مغمغمة مع نفسها بكلمات متبرمة في حين تغمد دياب سعادة لا توصف لرحيل الجميع بعد ذلك اليوم المشحون مضي الكثير ولم يبق له فقط إلا لحظات معدودة لينفرد بها أخيرا نعم إنها ليلته المنشودة والتي طال انتظاره لها..!!!
يتبع الجزء الأخير
الفصل الخامس والتسعون الأخير الجزء الرابع والأخير
عادت لتجلس بالسيارة مع عمتها وابنتها الكبرى ورضيعتها النائمة احتلت المقعد الأمامي وبقيت أنظارها مثبتة على المدخل لم تتوقف الاثنتان من خلفها عن الثرثرة الخاصة بأجواء الحفل وظلت هي صامتة أغلب الوقت ترد بكلمات مقتضبة إن وجه إليها أي سؤال لمحت منذر وهو يخرج منه بوجهه الخالي من التعبيرات تأهبت في جلستها وتسارعت دقات قلبها وعمدت إلى التطلع إلى وجهه بأعين متلألأة وكأنها تناديه بنداء خفي لكن خيب أملها بعدم النظر نحوها استطرد هو حديثه قائلا بصوت رخيم
معلش أخرتكم
ردت عليه عواطف بود وهي تهز رأسها
ولا يهمك يا ابني
نظرت له أسيف مجددا برجاء لكنه تجاهلها وتطلع أمامه بنظرات جامدة شعرت بوخزة أخرى في قلبها من ذلك الجفاء القاسې الذي يمارسه معها ابتلعت غصة مريرة عالقة في حلقها مقاومة رغبتها في البكاء أخرجها من تأملها الشارد فيه صوته الجاد حينما تابع
هاوصلكم ونروح على طول!
ردت عليه عواطف بابتسامة محببة
بأمر الله ربنا يسلم طريقك هانتعبك معانا
ابتسم مجاملا
على ايه بس ده واجبي!
أضافت مادحة بعفوية
ابن حلال الضاكتور نبيل!
تحفزت حواس منذر بضيق ملحوظ لمجرد ذكرها اسمه لم يستطع إخفاء انزعاجه من الحديث عنه فقد تسبب ذلك في حدوث جدال حاد مع زوجته والتي رأت بوضوح تلك التغييرات البائنة على قسماته المشدودة بعد تطرقها لشخصه ضغط بأصابعه على المقود مانعا نفسه من التفوه بحماقات أو حتى إظهار ضيقه تابعت عواطف مسترسلة
ده فضل قاعد لأخر الفرح كان مبسوط لبسمة ودياب و...
أغمض عينيه ليضبط انفعالاته ويحافظ على هدوئه الزائف طوال حديثها المزعج عنه لكن وجهه تشنج أكثر عندما هتفت
ده حتى سأل عليكم
الټفت عقب تلك الجملة إلى وجه أسيف التي كانت تطالعه بأعين لامعة ورد بجمود مريب
اه واضح!
استشعرت ټهديد خفي من كلماته المقتضبة عمدت إلى تغيير مسار الحوار إلى شيء أخر كي لا يثير هذا الموضوع حنقه أكثر من ذلك تنحنحت قائلة بنبرة شبه مهتزة
احم.. عمتي حاولي تاخدي الدوا المسكن بتاعك عشان ضهرك انتي تعبتي جامد النهاردة
ردت عليها عواطف مبتسمة
كله يهون يا بنتي عشانكم
استدارت أسيف برأسها نحوها لتقول بابتسامة باهتة
ربنا يخليكي لينا
آمالت عواطف رأسها للأمام قليلا لتحدق عاليا في الشرفات العلوية ثم أخرجت تنهيدة مطولة من صدرها وهي تتابع برجاء
إن شاء الله تكون ليلة هنا على العرسان أنا وضبتلهم الأكل و...
قاطعها منذر بجدية
اطمني يا ست عواطف مافيش حاجة ناقصة عندهم
ربتت على كتفه قائلة بامتنان
ربنا يسعدهم ويسعدك!
يارب
قالها وهو يدير المحرك لينطلق بالسيارة في اتجاه البناية التي تقطن بها عمة زوجته ظل ملازما للصمت لم ينبس بكلمة رغم محاولة الجميع اجترار الحديث معه تفهمت أسيف سبب صمته المزعج وتعهدت لنفسها ألا تجعل الجفاء يستمر طويلا هي تعشقه ولن تقبل مطلقا بتلك المعاملة الجافة منه فحيل النساء لا تنضب أبدا وحتما ستجد وسيلة لإذابة الجمود المؤقت بينهما.
..........................................
أخيرا
قالها دياب بتنهيدة تحمل الكثير وهو يوصد الباب خلفه ليتمكن من الاختلاء بزوجته التي أذاقته الكثير كي يصل لهذه اللحظة راقبها وهي تلج للداخل متأملة المكان من حولها بنظرات شمولية اعتلى ثغره ابتسامة عابثة لم يبذل مجهودا في إخفائها أدارت بسمة رأسها في اتجاهه قائلة بأنين وهي تجاهد لنزع حذائها عن قدميها
رجلي ورمت من الجزمة يا ساتر يارب
رد قائلا بابتسامة متسعة
معلش اليوم كان طويل احنا نصلي ركعتين كده عشان ربنا يبعد عنا الشيطان ونتوكل على الله في اللي جاي!
وافقته الرأي فالأمر مستحب لكل من هم مقبلين على الزواج لكي يرزقهم الله المودة والرحمة ويجنبهم الشيطان استعد الاثنان لأداء الركعتين وما إن فرغا منها حتى فرك دياب كفي يده معا هاتفا بحماس
ايه يا عروسة!
طالعته بنظرات قلقة هي تعلم نواياه نحوها خاصة أنها الليلة المنشودة شعرت بجفاف كبير في حلقها بدقات قلبها تتصارع داخلها تهدجت أنفاسها نوعا ما وهي تحذره برجاء غريب
بأقولك ايه بلاش البصات دي
اتسعت ابتسامته حتى برزت نواجذه ورد عليها بتسلية
يعني مش أمتع عيني بالجمال
تعمدت الظهور بمظهر خشن أمامه فصاحت بنبرة متصلبة
بص أنا دماغي ۏجعاني ومصدعة جامد وجسمي مكسر ومش قادرة و...
قاطعها مازحا وهو يشير بذراعيه في الهواء
فيكي ايه سليم يا أبلة عشان أفهم بس!
ردت عليه بإباء وهي ترفع رأسها للأعلى في شموخ
أنا بأفهمك من الأول عشان تكون على نور مش قادرة أعمل حاجة النهاردة خالص
فغر فمه مدهوشا من تصريحها المستتر وفهم سريعا المقصد من ورائه ردد مستنكرا
نعم هو أنا بأقولك اكنسي واغسلي!