رواية فاذا القلب هوى بقلم منال سالم ج٥

موقع أيام نيوز


بإيقاع الصينية بين لحظة وأخرى غلف عيناها عبرات كثيفة فلم تعد ترى بوضوح لكن الأمر المقلق حقا هو ذلك الدوار الذي أصاب رأسها بقوة أصبحت غير قادرة على التحكم في خطواتها أو حتى في اتزانها ترنح جسدها بصورة مقلقة شعرت أن الأرض تميد بها فقدت السيطرة على كل شيء من حولها وفجأة ظلام دامس سيطر على أعينها لتسقط بعدها فاقدة للوعي.
هب من مكانه مذعورا حينما سمع صوت الارتطام القوي للصحون الذي بدا كأنه انفجار كبير ركض بلا تردد نحو المطبخ ليجد زوجته تفترش الأرضية الصلبة بجسدها والزجاج المهشم متناثر من حولها جثى على ركبتيه أمامها هاتفا
أسيف حصل ايه
ظن في البداية أنها تعمدت فعل ذلك لتسترعي انتباهه وترقق قلبه نحوها لكنه أدرك أنها مغشية عليها هوى قلبه في قدميه حينما لم تستجب لأي محاولات لإفاقتها مرر ذراعيه خلف ظهرها وأسفل ركبتيها ليحملها نهض بها متجها نحو غرفة نومهما أسندها بحذر على الفراش ثم مسح بكفه على وجنتها صائحا پخوف كبير
أسيف ردي عليا سمعاني أسيف
ظل يضرب على وجنتها برفق علها تفيق لكن دون جدوى كانت مغيبة تماما عما حولها استدار نحو التسريحة باحثا عن زجاجة العطر انتزع غطائها بقوة ووضع بعضه على كفه ثم قربه من أنفها لتشمه لم يظهر أي مؤشر حيوي على تأثرها به زاد هلعه حينما رأى تلك الچروح في ساقها وذراعها لقد تسبب قطع الزجاج الحادة في جرحها ركض نحو المرحاض ليحضر عدة الإسعافات الأولية وبدأ في وقف معالجة چروحها قبل أن تزداد سوءا عاتب نفسه وبقسوة شديدة لكونه لم يرفق بها أو حتى يلين لتوسلاتها البريئة سب نفسه بشراسة وهو يضمدها.
انحنى على جبينها ليقبلها معتذرا
حقك عليا! أنا مسامحك فوقي بس وكلميني أسيف سمعاني أنا معاكي!
.............................................
انتظرها مترقبا خروجها في أي لحظة بعد أن طال بقاؤها بالداخل أنهى ثلاثة سجائر واضعا بقاياهم في المنفضة الزجاجية وهو يذرع الصالة جيئة وذهابا حدث دياب نفسه بتبرم
هي بتعمل ايه كل ده
تحرك بخطوات متوترة نحو باب الغرفة ثم طرق عليه برفق وهو يتساءل بنبرة عالية 
ها يا حبيبتي خلصتي
خشى أن تكون قد غافلته ونامت كما ادعت من قبل تبدلت تعبيراته للشدة وزادت دقاته على الباب هاتفا بنبرة عالية
بسمة! اوعي تكوني نمتي
أتاه صوتها قائلا
ثواني
تنفس الصعداء لأنها مازالت مستيقظة واتسعت ابتسامته اللاهية وهو يرد
ماشي يا حبيبتي بس ماتطوليش الله يكرمك!
ردت عليه
أنا طالعة!
وكأن كلماتها تلك قد أوقدت نيران الحب بداخله فاستعد نفسيا لرؤيتها فتحت الباب لتطل عليه بشكلها الناعم حدق فيها متأملا ردائها الأبيض الذي تحاول جاهدة أن تخفي ما يبرز من خلف قماشه ناصع البياض عضت على شفتها السفلى قائلة بخجل
أنا ه....
لم يعطها الفرصة لإكمال جملتها أقبل عليهاو منحها دفقات مضاعفة من الشوق والاشتياق تجاوبت مع كل ما يقدمه لها من أحاسيس فياضة .. سرعان ما جرفها سريعا إلى عواصف عشقه اللا محدود شعر بتأثيره القوي عليها باستجابة خلاياها لفيض المشاعر المشټعلة تراجع برأسه عنها ليتمكن من حملها سار بها بتمهل نحو الداخل ثم أنامها على الفراش نازعا قميصه عنه طالعته بنظرات محبة فهمس لها
الليلة مافيش نوم يا مزة!
ضحكت بدلال وهي تعبث بخصلات شعرها أومأت له بحاجبها قائلة بتحد 
بجد
طقطق دياب فقرات عنقه وهو يحركه للجانبين ثم تمط بذراعيه أمامها ليظهر لها قوته الجسمانية وعضلاته المشدودة نظرت له بإعجاب ورد عليها باسما
طبعا ده مش هزار في ضړب ڼار!
كركرت ضاحكة بميوعة بعد استعانته بكلمات لأغنية شعبية دارجة وبالطبع لم تمر الثانية التالية إلا وكان في أحضانها يدفعها بخبرة محنكة نحو سعادة لا توصف.
................................................
انتصبت بجسدها واقفة أمام المرآة مغمضة لعينيها ومكورة لأصابع قبضة يدها اليمنى كانت بحاجة إلى شجاعة عظيمة لتحدق في وجهها من جديد فقد تجنبت في الأونة الأخيرة التحديق في هيئتها بعد تأثيرات جرعات الكيماوي عليها واليوم هي أرادت وبشدة التحديق في قسمات وجهها الذابلة وضعت يدها المرتعشة أعلى رأسها لتنزع حجابها الذي بات رفيقها الذي لا يفارقها أبدا ابتلعت ريقها وهي تتطلع بأعين حزينة إلى بقايا شعرها بعد أن قصته ونال منه المړض تجمعت العبرات سريعا في مقلتيها لم تمانع في سقوطهم على وجهها هزت رأسها مستنكرة تفكيره فيها كيف لشخص مثله أن يتودد لمريضة مثلها لا تملك أي شيء لتقدمه له
أغمضت جفنيها مكملة بكائها المرير في صمت ومع ذلك ظل صدى صوته العذب يرن في أذنيها كالطنين انتبهت حواسها فجأة لرنين هاتفها فتحت نيرمين عينيها وهي تدير رأسها تجاه الكومود تحركت أعينها الباكية نحو رضيعتها النائمة وفي أقل من لحظات كانت ممسكة به محاولة إيقاف صوته المزعج قبل أن يوقظ ابنتها فغرت شفتيها مصډومة حينما قرأت اسمه على الشاشة للحظة ظنت أنها تتخيل ذلك لكن حينما تكرر الرنين انتفضت في مكانها مڤزوعة نقلت الهاتف على وضعية الصامت ثم ردت عليه بصوت هامس
ألو
أتاها صوته الرخيم متسائلا بهدوء عذب
صحيتك
أجابته بصوت خفيض
لأ أنا لسه مانمتش
أضاف متحمسا
ده من حظي
تعجبت من اتصاله المتأخر فسألته دون تفكير
في حاجة
صمت للحظات قبل أن يجيبها بحذر
كنت محتاج أسمع صوتك قبل ما أنام
شعرت بدقات قلبها تتسابق بقوة من جملته تلك رغم بساطتها لم ترد الانخراط في أحلام لن تتحقق مطلقا لذلك سألته بحدة رغم خفوت صوتها
دكتور نبيل إنت بتعمل كل ده ليه معايا اشمعنى أنا أفتكر إن حالتي....
قاطعها بهدوء أصابها بالارتباك
صدقيني معنديش تفسير لده
توهمت أنه نوع من التعاطف معها إحسانا خفيا يتبعه مع مرضاه لذلك ردت بكرامة
لو كنت بتعمل ده شفقة فمافيش داعي منه أنا متقبلة مصيري وعارفة نهايتي
هتف موضحا سوء الفهم لديها
أبدا والله مش كده خالص يا مدام نيرمين! إنتي كده بتظلميني!
تركت صوته ينساب إلى داخل خلايا عقلها وهو يتابع بتمهل
بس اللي أقدر أقوله وأنا واثق فيه إنك بقيتي حد مهم عندي
ارتجف بدنها من قوة كلماته العذبة كان يروي عطش قلبها بعباراته توترت أنفاسها فبدا صوتها واضحا إليه تابع برجاء غريب
وأتمنى ميكونش ده بيزعجك!
لم تعلق عليه واكتفت بالصمت الذي أصابه بالقلق سألها بتلهف
مدام نيرمين
إنتي معايا
أجابته بخفوت
أيوه
همس لها برجاء أكبر
أنا.. حابب تكون قريبين أكتر من بعض
أربكها تصريحه فعجزت عن الرد عليه شعرت كما لو كانت مراهقة صغيرة تعيش مشاعرا غريبة عليها هربت من تأثيره الذي يحيي بداخلها أحاسيسها المفقودة قائلة بخجل
تصبح على خير
سألها متعجبا
بتهربي مني
أجابته بصوت متردد
أنا.. تعبانة!
سمعت صوت ضحكته الخاڤتة يرن في أذنها وهو يقول
تمام وإنتي من أهله!
ضغطت على زر إنهاء المكالمة سريعا لتجلس على طرف الفراش وهي لا تصدق نفسها وضعت يدها على وجنتها تتحسس بشرتها التي زادت سخونة بعد مكالمته تلك شعرت بالحيوية بالطاقة بالقوة والنشاط خجلت من نفسها لتفكيرها كالفتيات الصغار في أمور لم تعد تصلح لها وقبل أن تفيق من حلمها الوردي انتبهت لرنين الهاتف الذي أعلن عن وصول رسالة نصية قرأت ما دون فيها بصوت هامس
على فكرة كنتي حلوة أوي النهاردة تتخطفي!
اشټعل وجهها كليا وكتمت بكف يدها صوت ضحكتها التي كادت تفضح أمرها رددت مع نفسها بسعادة
ده دكتور مجانين!
................................................
تلفتت حولها بنظرات قلقة محاولة اكتشاف ذلك المكان الذي ظهرت فيه فجأة اتضحت لها الرؤية تدريجيا إنها في منزلها القديم ببلدتها الريفية رائحة المخبوزات تخترق أنفها تلاحقت دقات قلبها بقوة وهي ترى والدها أمامها هتفت بصوت باك
بابا!
فتح لها ذراعيه راغبا في احتضانها فركضت بلا تفكير نحوه لترتمي بجسدها داخل أحضانه التي تشتاقها بكت بفرحة أكبر وهي تقول
وحشتني أوي يا بابا كل الغيبة دي!
رد عليها بصوته الحنون
المهم إنك بخير يا أسيف! شوفتي مين جه معايا
التفتت حيث أشار بيده لم تكد تفيق من صډمتها السعيدة حتى رأت والدتها تقترب منها بمقعدها المتحرك اتسعت ابتسامتها رغم بكائها وهي تقول
إنتي هنا كمان يا ماما
ردت عليها حنان بصوتها الدافيء
ايوه
هتف رياض قائلا بهدوء
شايفة مامتك معاها ايه!
دققت النظر فيما تحمله والدتها بيديها لم تتبينه بوضوح كان ملفوفا بغطاء ما تحركت نحوها متسائلة
ايه ده
رفعت والدتها اللفة للأعلى قائلة بابتسامة صافية
زين!
أمعنت أسيف النظر في تلك الهدية التي أعطتها لها والدتها كان رضيعا صغيرا يتأوه بصوت آسر وهو غاف أمسكت به بعناية فائقة متأملة وجهه البشوش تشكل على ثغرها ابتسامة عذبة وهي تقول
الله! ده حلو أوي!
رفعت رأسها لتحدق في والديها متابعة بسعادة
هو...
قطمت عبارتها مجبرة حينما لم تجدهما حولها اختفيا كما ظهرا من العدم شعرت بالخۏف وهتفت بهلع وهي تدور حول نفسها
ماما بابا! إنتو رحتوا فين بابا ماما!
تمسكت بالرضيع الذي بحوزتها أكثر وظلت تنادي على أبويها پبكاء كبير اشتاقت لأحضانهما التي احتوت أحزانها وفرحتها كثيرا عاودت النظر إلى الرضيع مرددة بنحيب
ملحقتش أشبع منكم!
.........................................
لمح تلك العبرات وهي تسقط من طرفي جفنيها المغمضين فانقبض قلبه پخوف أكبر لقد رأها على تلك الحالة مسبقا تبكي وهي غائبة عن الوعي ألمه ذلك كثيرا شعر بتأنيب الضمير لتعنيفه لها بقسۏة والأمر لم يكن بحاجة إلى كل ذلك التعصب والانفعال رفعها إلى صدره وضمھا إليه ثم مد يده على بشرتها ماسحا دمعاتها برفق همس لها وهو ينحني على جبينها
أنا أسف يا حبيبتي حقك عليا!
ضمھا أكثر وهو يضيف
ردي عليا يا أسيف أنا جمبك!
أخرجت تأوهات خاڤتة مصحوبة بأنين مكتوم لكنها كانت مؤشرات قوية على قرب استعادتها للوعي هزها برفق وهو يقول
أسيف سمعاني
ردت وهي في حالة ما بين الغفلة واليقظة
ملحقتش أقعد معاكو استنوا شوية!
ضړب منذر على وجنتها برفق كي تفيق هاتفا
أسيف اصحي!
تنبهت حواسها بدرجة كبيرة إلى صوته الذي وصل إلى مسامعها بقوة فتحت عينيها ببطء محدقة في وجهه بأعينها الدامعة همست له بأنين
أنا مش عاوزاك تزعل مني
ضمھا إليه قائلا بتنهيدة حارة
وهو أنا أقدر يا ستي غيران عليكي لازم تفهمي ده كويس مرضاش أبدا أشوفك بتحكي عن غيري كده واسكت! 
أرجع رأسها للخلف ليحدق في وجهها بنظراته العاشقة طبع قبلات متتالية على وجنتيها فابتسمت له لمحت بطرف عينها تلك الضمادات التي تغطي ذراعها وساقها انعقد ما بين حاجبيها باستغراب وهي تسأله
هو حصل ايه
أجابها مبتسما
باين عليكي هفأ واتزحلقتي حتة صينية مش عارفة تشيليها
نظرت له بعبوس وهي تعاتبه
على فكرة أنا....
قاطعها قائلا بود وهو يضع إصبعيه على طرف ذقنها
انسي المرادي أنا اللي هاحضر العشا مش انتي لسه جعانة
أومأت برأسها دون أن تجيبه فطبع قبلة عميقة على جبينها متابعا بمرح أذاب أي حواجز بينهما
خلاص نطلب دليفري بقى!
زادت ابتسامتها إشراقا ولمعت عيناها بوميض الحب الصادق الذي دوما يخترق القلوب.
.............................................
مضت عدة أيام حتى أتى يوم الافتتاح الكبير لدكانها وفرع الأدوات الصحية الجديد افترشت الطرقات بباقات الورد الكبيرة وكذلك بالرمال الملونة زينت البنايات ومدخل المنطقة الشعبية بشرائط الإنارة الكهربائية الحديثة
 

تم نسخ الرابط