رواية فاذا القلب هوى بقلم منال سالم ج٥

موقع أيام نيوز


الجزار أثناء سفرهما للبلدة الريفية وما تبعها من حضور دياب للمنزل وإصراره على الارتباط خاڤت أن يكون إلحاحه نابعا من كونه مجرد مساعدة منه لإيقاف تلك الألسن التي تطاولت عليها انزعجت أسيف من تفكيرها المحدود مرددة بعتاب رقيق
غلطانة يا بسمة دياب مش كده وإنتي أكتر حد شوفتي مواقفه ده نسخة من منذر!
هزت رأسها بأسف وهي ترد بنبرة محبطة
بس للأسف في حاجة هتفضل بينا
قطبت جبينها متسائلة باهتمام
ايه هي!!
سحبت نفسا مطولا لفظته ببطء وهي تجيبها
ابنه يحيى وطليقته!
ردت عليها أسيف بحماس طفيف
طب والله ابنه بيحبك جدا بالعكس أنا بأشوفه متعلق بيكي جدا يمكن أكتر من أبوه وأمه!
ارتجفت نبرتها وزاد ترقرق العبرات في مقلتيها حتى بدت على وشك البكاء مرة أخرى وهي تقول
أنا بأحبه أوي بس خاېفة من التجربة خاېفة يحصل معايا زي نيرمين!
امتعضت تعبيرات أسيف بانزعاج بائن لم تخفيه فأختها تثير الأعصاب بتصرفاتها المستفزة وبالتالي تأثر بسمة بمواقفها لا مفر منه هي نفسها عانت من قسۏتها وجحود قلبها في أحلك الظروف لذلك ردت بجدية
ماتحطيش نفسك دايما في مقارنة مع غيرك وخصوصا نيرمين!
شعرت عواطف برجفة قوية ټضرب جسدها بعد سماعها لتلك الاعترافات المٹيرة ابنتها تحت وطأة ضغوط مهلكة للأعصاب وتجاهد للبقاء قوية صلبة وصلدة أمام الجميع كذلك كانت الظروف والأوضاع مختلفة تماما بين الأختين فكلتاهما تعاصر وتعايش تجارب لا علاقة لها بالأخرى لذلك من المجحف المقارنة بينهما وتوقع نفس النتائج.
............................................
لم يتوقف عن البكاء رغم انتهاء اليوم الدراسي حتى أصبحت معلمته مزعوجة من صمته المريب ورفضه الحديث عما أصابه
ليبدو على تلك الحالة المقلقة كان كل شيء طبيعيا حتى عاد مجددا إلى الفصل ظنت في البداية أن للأمر علاقة بثيابه المبتلة فتحرج الصغير من الموقف بين أقرانه لكن مع استمرار نحيبه وبحكم خبرتها نشأ عندها اعتقادا أن المسألة أعمق من هذا حاولت تهدئته والحنو عليه لكنه رفض الاستجابة لها وظل ينوح قائلا
عاوز مامي عاوز أمشي من هنا!
سئمت من عناده المستمر فأرسلت في طلب المشرفة لتتولى متابعته حتى تتمكن من الانتباه لباقي الأطفال اصطحبته الأخيرة معها إلى غرفتها محاولة فهم ما حدث له لكن كانت كلماته مبهمة ومكررة اضطرت في النهاية إلى الاتصال بوالده للحضور وبالفعل لم يتأخر عن ابنه فأتى لمدرسته على عجالة واتجه إلى غرفة الناظرة ليقابلها متسائلا بانزعاج كبير
ماله يحيى 
أجابته بنبرة رزينة وهي مشبكة لكفيها معا
الطفل مش عاوز يتكلم ورافض يتجاوب مع أي حد حتى المس بتاعته!
رد دياب متعجبا وهو يشير بيده
ماهو كان كويس طول اليوم
تابعت مضيفة بهدوء
جايز في مشكلة في البيت مأثرة عليه
هتف معترضا بانفعال طفيف
مشكلة ايه ما هو نازل معايا كويس!
أوضحت له الناظرة قائلة
ابنك مابطلش ينادي على مامته!
عبس وجهه بصورة واضحة من جملته فلاحظت تجهم تعبيراته وسألته بجدية شديدة
هي فين أصلا احنا طلبناها معاك!
قائلا بزفير مزعوج
احنا منفصلين!
ممممم
بس برضوه مافهمتش ابني ماله
أخذت الناظرة شهيقا عميقا ثم حررته بتمهل وهي ترد بتريث عقلاني
أستاذ دياب اعذرني إن كنت هتدخل في أمورك الشخصية بس أنا كمربية قبل ما أكون مديرة للمكان ده يهمني نفسية الأطفال جدا
سألها متعجبا وقد رفع حاجبه للأعلى
وده ايه علاقته بيا
أجابته بحذر
اللي فهمته من كلامك إن يحيى قاعد معاك انت صح
أيوه
طب هل بيشوف والدته بانتظام
لوى ثغره للجانب وهو يجيبها بامتعاض
مش دايما
تابعت مبررة تصرفه
جايز يكون محتاجلها وخاېف يقولك ده لأحسن ترفض
رد معترضا بعصبية على اتهامها الضمني بكونه يسبب نوع من الهلع لصغيره
ماعمروش طلب مني إنه يشوفها وأنا قولتله لأ بلاش الطريقة دي معايا!
لاحظت انفعاله الظاهر في نبرته وإيماءاته فردت بإصرار
ممكن لأنك مش بتديله فرصة يعبر عن اللي جواه!
زفر بصوت مسموع رافضا تلميحاتها الصريحة فأكملت بجدية
أرجوك لازم تراعي نفسية ابنك لأن أحيانا تصرفات الكبار بتأثر على الأطفال بدون ما ياخدوا بالهم
هب من مكانه واقفا معلنا عن انتهاء مقابلته معها وهو يرد باقتضاب
ربنا يسهل
نهضت هي الأخرى من مقعدها متابعة
واحنا مع حضرتك في أي مساعدة في النهاية يحيى ابننا كلنا
إن شاء الله
كانت نظراتها الموجهة إليه تشير إلى اعتقادها بأنه السبب في حالة ابنه واستنكر هو تلك الاټهامات لكونه لا يبخل عنه بشيء أشارت له بكفها نحو باب غرفتها مكملة بنبرة رسمية
حضرتك تقدر تستلم الطفل من المشرفة برا
نظر لها بانزعاج وهو يرد بعبوس
متشكر!
للحظة طرأ في باله اعتقاد ما ظن أن طليقته تقف خلف ما حدث لابنه بصورة خفية ربما جاءت من ورائه لمدرسته الخاصة وقامت بمقابلته وتلقينه تلك العبارات كجزء مكمل لخطتها الدنيئة في التودد إليه من جديد اشتدت قسماته واشتعلت نظراته من مجرد التفكير في ذلك الاعتقاد المثير للأعصاب توقف مضطرا عن شحن غضبه داخله حينما رأى صغيره يدنو منه مع المشرفة انحنى ليحمله مقبلا وجنته بحنو وهو يسأله
مالك يا بطل
طوق يحيى عنقه بذراعيه مخبئا وجهه فيه وهو يرد بصوت مبحوح
بابي!
أبعد دياب رأسه المختبيء عنه ليحدق في عينيه مرددا بجدية
بطل ټعيط بقى أنا هاخدك البيت!
تعلق يحيى أكثر به وهمس بصوته المرتجف
عاوز مامي!
رد بامتعاض
حاضر هاخليك تشوفها!
تحرك به حاملا إياه إلى خارج مبنى المدرسة كاظما ضيقه في صدره
ومداعبا له بود محبب كي يخفف من حدة بكائه.
......................................................
كاد يفتك بها ألم رأسها رغم تناولها العديد من الوصفات الطبية المسكنة للأوجاع لكن لا نتيجة طيبة معها فاضطرت أن ترتدي عباءتها لتذهب إلى أقرب مستوصف طبي وتصحب رضيعتها معها للخارج سألتها عواطف باهتمام
لابسة ورايحة على فين كده
ردت بتذمر وهي تنظر لها بامتعاض
كويس إن في حد معبرني في البيت ده!
استنكرت أسلوبها التهكمي قائلة
لا حول ولا قوة إلا بالله مش لازم كل ما نسألك تردي علينا بالطريقة دي!
صاحت بحدة واضحة مشيرة بيدها
أنا كده ومش هاتغير واللي مش عاجبه يشرب من البحر!
ده سؤال عادي يا نيرمين لازمتها ايه المندبة دي
رايحة أطعم البت!
سألتها باهتمام
هو ميعاد تطعيمها جه
أجابتها نيرمين بإيجاز
اه!
أشارت لها بيدها متابعة
طيب استني ألبس وأجي معاكي و...
قاطعتها مرددة بوجوم
لأ خليكي مرتاحة كفاية عليكي الهانم اللي واكلة الجو كله!
مطت عواطف شفتيها بضيق بائن على محياها وتنهدت قائلة
روحي يا بنتي ربنا يسهلك طريقك!
اتجهت ناحية باب المنزل صافقة إياه بقوة خلفها فخرجت بسمة من الغرفة متسائلة بفضول
هو مين نزل
أجابتها بضجر مشيرة بعينيها
دي نيرمين هاتطعم رنا
هزت رأسها بعدم اكتراث وهي تضيف
أها طيب يا ماما في حاجات ناقصة لأسيف و....
لم تكمل جملتها بسبب إحاطة والدتها لها وضمھا لصدرها بحنو زائد عن المعهود تفاجأت مما فعلته متسائلة
الله! بتحضنيني ليه!
رفعت عواطف يديها على وجه ابنتها ومسحت عليه برفق وهي تجيبها بعاطفة ظاهرة في نبرتها
اوعي يا بنتي تخلي حاجة تقهرك ولا تجبرك تكوني زي أختك انتي غيرها وربنا ليه حكمة في اللي بيحصل لكل واحد!
صدمت مما تفوهت به فرمشت بعينيها باضطراب وارتبكت لوهلة من كلماتها الموحية سألتها بتوتر
هاه.. ليه بتقولي كده
ابتسمت لها مبررة
أنا سمعت كل حاجة وعرفت بموضوع دياب واللي حصل في غيابنا!
نكست بسمة رأسها حرجا من والدتها وأخرجت تنهيدة عميقة من صدرها رافضة الحديث تابعت عواطف هاتفة بتمهل مطمئن 
أنا مش هعاتبك وأقولك ليه ماحكتيش معايا بس هانصحك تختاري اللي قلبك يرتاحه!
رفعت عينيها في وجهها محدقة فيها بارتباك فواصلت أمها مؤكدة
اختاري البني آدم اللي تحسي معاه إنه راجلك سندك في الدنيا يقدر يحميكي ويصونك وأوعي تفكري إن كل الرجالة زي بعض نيرمين نصيبها كان كده بس انتي أعقل واشتغلتي وشوفتي ناس كتير واللي شاريكي يا بنتي عمره ما هيفرط فيكي!
لعبت عباراتها المنتقاة بحسن نية دورا في التأثير على نفسها المضطربة ربما ليس كبيرا لكنها كانت بحاجة إلى مثل ذلك الدعم الإيجابي المشجع لتفكر بذهن صاف في اختياراتها المستقبلية.
.....................................................
لاحقا عاد به إلى المنزل قبل أن يذهب للوكالة وحاول أن يستشف منه ما حدث له ليبدو عنيدا بتلك الطريقة الغريبة لكنه رفض التجاوب معه اعتقد أنه أسلوب جديد يلجأ إليه بإيعاذ من والدته للضغط عليه فعنفه بعصبية
يا ابني انطق مالك!!
صړخ الصغير مڤزوعا منه مستعيدا في مخيلته نظرات ناصر المهلكة زادت رجفته من صياح أبيه المخيف وركض ناحية جده ليحتمي به أشفق طه على حفيده وأحاطه بذراعه قائلا بهدوء رزين
بس يا يحيى مافيش راجل بيعيط!
حاوط الصغير خصر جده بذراعيه مخبئا رأسه فيه وهو يقول پبكاء مخټنق
أنا عاوز مامي!
مسح طه على رأسه وظهره برفق عله يهدأ قليلا خاصة أنه استشعر تلك الرعشة المريبة المسيطرة عليه وهتف قائلا بصرامة
هنجيبهالك بس اسكت الأول!
اغتاظ دياب من دلاله الزائد مع والده وكأنه يستعطفه ببكائه ليرضخ له مستسلما لم يتحمل تماديه في الأمر أكثر من ذلك لذا هدر به بانفعال واضح
شايف طريقته طبعا بنت ال...... قلبت الواد عليا!
ارتجف يحيى من أسلوب
والده الھجومي فالتصق أكثر بجده صائحا بفزع
جدو أنا خاېف!
حدج طه ابنه بنظرات ڼارية مستنكرة انفعاله الغير مبرر على طفله ورد بصلابة ليطمئنه
متخافش محدش هايعملك حاجة
أشار دياب بسبابته مهددا
قسما بالله لو ما سكت لهأقوم أعجنه!
تدخلت جليلة في الحوار على إثر صراخه الهادر قائلة بتحذير
بالراحة يا دياب مش كده!
لوح بذراعه في الهواء هاتفا بنفاذ صبر وقد استشاطت نظراته
أنا مش ناقص نكد وقرف!
بررت والدته سبب بكائه قائلة
ما تصبر جايز في حاجة تعباه!
رفض تصديق اعتقادها قائلا باحتجاج قوي
بيخيل عليكي الكلام ده يا أماه هي أكيد قابلته من ورايا ماهو مش هايتقلب كده من الباب للطاق!
زمت فمها قليلا ثم تابعت
خلاص أنا هاكلم أمه أخليها تيجي تشوفه هنا
هنا خرج طه عن صمته الهاديء صائحا بصلابة مھددة وهو يضرب بعكازه الأرضية
أنا قايل رجلها ماتعتبش هنا يا جليلة!
التفتت ناحيته قائلة بتوجس
حاضر يا حاج هانشوف حتة نقعد فيها برا!
زفر دياب بصوت مسموع ثم تحرك صوب باب المنزل هادرا بزمجرة
اصرفوا بس أنا مش عاوز أشوف خلقة أمها! سيرتها بټحرق الډم!
ردت قائلة باستياء
ماشي الواد معايا اهدوا بس وهاتصرف!
............................................
جرجرت ساقيها نحو المقعد الشاغر في الزاوية بعد أن حجزت موعدا مع الطبيب المتواجد بالمستوصف الطبي مررت أنظارها الحادة على أوجه الجالسين حولها مبدية نفورها من كل شيء بكت رضيعتها فهدهدتها بعصبية مما جعل المرأة الجالسة بجوارها تهتف محذرة
حاسبي البت مش هاتسكت كده!
ردت نيرمين بضجر وهي ترفعها على كتفها
قلبي اتنهى معاها ومش بتبطل عياط!
أضافت المرأة قائلة
جايز بطنها منفوخة!
هزت رأسها مرددة باستياء
والله أنا اللي دماغي ھتنفجر مني من أم الصداع اللي مش عاوز يسيبه
بيقولوا الضاكتور هنا شاطر وكل اللي بيجي عنده بيطيب بفضل الله
يسمع منك ربنا!
انتبهت لصوت الممرضة الصائح بنبرة عالية
اتفضلي يا مدام نيرمين ده دورك!
نهضت من مقعدها بتثاقل قائلة بفتور
شكرا!
ولجت إلى داخل غرفة الكشف بصحبة ممرضة أخرى وألقت بثقل جسدها المتعب على المقعد متنهدة بإرهاق واضح تفرس الطبيب في وجهها متسائلا بجمود
خير إيه اللي تاعب حضرتك
وضعت يدها
 

تم نسخ الرابط