رواية رائعة للكاتبة رباب فؤاد الجزء الخامس
المحتويات
لم أرد أن أجرحك ثانية. وللأسف هي تعتقد أنني مثلت عليها أكذوبة الطلاق حتى تنجب هي لي بينما أظل معك ننعم بحبنا. برأيك من المخطئ فينا أنا أم هي أم أنت
لمست كفه بتعاطف قائلة طارق كفى...إلى متى ستحمل نفسك فوق طاقتها لقد كانت عودتنا دليلا على نبل أخلاقك الذي أعرفه جيدا واليوم تؤكد ذلك بعدم حديثك عني في غيابي. ولكن كفى. لن اسمح لك بالمزيد من الضغوط على أعصابك. أنت بحاجة إلى لحظة صدق مع نفسك تتأكد فيها من أولوياتك وأثق أن هالة ستكون على رأس هذه الأولويات. ليس فقط لأنها تحمل طفلك القادم ولكن لأنك تحبها حقا. هي أيضا تحبك ولولا غيرتها عليك ما تركتك لي.
تأمل ملامحها الهادئة بتمعن قبل أن يسألها بغتة قائلا لماذا لا تصرخين لماذا لا تطلبين مني الطلاق بصوت مرتفع وانفعال شديد كما فعلت في المرة السابقة
سمحت لشبح ابتسامة بالتسلل إلى طرف فمها وهي تبتعد مجيبة لأنني أرى الأشياء بوضوح أكبر الآن. في المرة السابقة كان حزني هو سبب انفعالي حزني لأني عاجزة عن تحقيق حلمك وحلمي في أن يربطنا طفل. كنت منفعلة لأني أفقد إنسانا أحبه. ولكن بعد انفصالنا عرفت حقيقة مشاعري تجاهك كما لا بد وأنك فعلت. حتى عودتنا لم تكن برغبة متبادلة منا وإنما بدافع شرعي وبالتالي خلت من أي حرارة متوقعة. لهذا طلبي الطلاق هذه المرة بمثابة...لا أدري كيف أصفها لكن...على أي حال يعتبر إنهاء لتعاسة ثلاث أزواج.
قالتها وهي تهم بالهروب إلى غرفتها لتتم ترتيب حقائبها حينما سألها بصوت خفيض ماذا تنوين بعد الطلاق
التفتت إليه للحظات قبل أن تعود ببصرها إلى اتجاه الغرفة قائلة بصوت حاولت أن تجعله واثقا سأرتب لتعاقدي الجديد. لقد أخبرتهم بأن لدي أسباب تمنعني من السفر الآن وهم يقدرون ذلك. وبعد انتهاء العدة سأسافر إن شاء الله إلى المستشفى الذي تعاقدت معه في الخليج.
هز رأسه متفهما ثم مط شفتيه للحظات قبل أن يهمس بالتوفيق إن شاء الله. يمكنك أخذ ما تريدينه من المنزل حسب قائمة المنقولات
وسيصلك مؤخر الصداق على حسابك بالبنك.
تمتمت بكلمة شكر موجزة وهمت باستئناف طريقها إلى الغرفة لكنها عادت فتوقفت واستدارت إليه وهي تلعب بأصابعها في توتر قائلة طارق...أريد أن أخبرك شيئا أرجو ألا يجعلك تغير رأيك في. كانت لدي شكوك في احتمال عقمي من قبل زواجنا ولذا شجعتك على الزواج منهالة. وبعد الزواج ماطلت في إعادة الفحوصات كيلا أحرم من سعادتنا. ظننت أنك ستنسى الإنجاب طالما رأيت أبناء أخيك ينمون أمام عينيك. أعلم أنني كنت أنانية لكن هذا ما حدث. لقد أردت أن أخبرك كي أوقف تأنيب ضميري المستمر وأرجو بعد أن عرفت الحقيقة أن نظل زملاء عمل وأصدقاء...فقط.
تأملها والدهشة تعقد لسانه للحظات شرد فيها بعيدا قبل أن يعود بانتباهه إليها قائلا بهدوء أنت طالق...طالق ياسمر.
الدمعة السادسة والثلاثون الاخيره
36
رغم برودة مقبض الباب المعدني لم تشعر بهاهالة
ربما لأن كفها كان أكثر برودة منه وهي تدلف إلى غرفةطارق تقدم خطوة وتؤخر أخرى ورائحة مطهر قوية تزكم أنفها وتثير أعصابها.
واستغرقتها مشاعرها للحظات جعلتها تجفل حين همسسامي قائلا كما اتفقنا حافظي على هدوء أعصابه وسأنتظرك بالخارج.
أومأت برأسها في صمت وبصرها معلق بفراشطارق أقصد بوجهطارق.
فالوجه الذي طالما عشقت عيناه وابتسامته الصافية كان شاحبا مسبل الأجفان.
لم يكن شاحبا فحسب بل ناحلا أيضا.
لم يكن ذات الوجه المضيء
كان وجها آخرا وضعته الهموم والأحزان بدلا من وجهه المألوف.
واليد التي طالما استعذبت الحانية كانت راقدة إلى جواره وقد غرست فيها أنابيب المحلول والدم لتعيد إليه بعضا مما فقده.
وقفز إلى عينيها مشهده وهو يضع أنبوب المحلول بهدوء ورقة في ذراعها حينما فقدت الوعي آخر مرة أمامه.
لقد حملها بين ذراعيه إلى فراشها وظل إلى جوارها حتى أفاقت.
كان يتعامل معها بكل رقة وحنان رغم عنفها معه.
الحنان....
طالما كان الحنان نقطة ضعفها
كما كان نقطة ضعفها أمامه
طالما افتقدت حنان الأب واعتادت ذلك وكان أملها في زوج حنون
لكنها لم تجد مبتغاها في حازم
وحينما أقنعت نفسها بأن تكون مصدرا للحنان بدلا من أن تتلقاه
اقتحمها طارق بحنانه الفطري وقلبه الكبير
اقتحم كل حصونها دون أدنى مقاومة منها
ووجدت نفسها فجأة أسيرة حنانه وصوته الدافئ
وجدته نبعا صافيا تنهل منه دون ارتواء
نبعا عوضها حنان كل الرجال
حنان الأب والأخ والصديق
وجدت في حنانه عوضا عن ابتعاده عنها كرجل وارتضت ذلك
وتأقلمت معه
بل وساعدته بطيب خاطر كي يحقق حلمه في زوجة تخصه وحده
وظلت طيلة زواجه المرفأ الذي يلجأ إليه كلما كان ضائق الصدر
لم تحاول اجتذابه إليها والحصول على حقوقها كاملة رغم حاجتها إليه
وارتضت أن تكون أخته وصديقته والكتف الذي يتكئ عليه كما كان هو الكتف الذي تتكئ عليه
وأخيرا أتاها
أتاها معترفا بحبه وحاجته إليها
ولمحت الصدق في عينيه
وحتى لو لم تلمحه كانت ستستجيب له
كيف لا وحلمها يتحول إلى حقيقة
كيف لا وهو يطلب منها أن يكون زوجا وحبيبا وهو في الأساس حبيبها الوحيد
كيف
متابعة القراءة