رواية فاذا القلب هوى بقلم منال سالم ج٤

موقع أيام نيوز


لذلك الحل الضعيف في الهروب من المشاكل دوما تتكبد العناء والمشقة وتستنزف كامل قواها مع كل ما تراه من مصائب متعاقبة أراد سحبها إلى عالمه بعيدا كل ذلك أن تنعم معه بحب دافيء نابع من قلبه الذي تعلق بها حتى سكنته تماما.
انتبه لصوت مضيفه الهاتف بجدية
خد يا بني الكالونية دي خليها تشمها
نظر إلى ما يحمله في يده فوجده ممسكا بزجاجة عطر رخيصة من ماركة شعبية معروفة يقربها إليه تناولها منه ووضع القليل من محتوياتها على يده ثم قرب راحته من أنفها لتستنشق رائحتها النافذة علها تستجيب وتفيق من تلك الإغماءة السريعة تركه الحاج إسماعيل يكمل عمله وانصرف ليتابع اهتمام البقية بإعداد الغرف لضيوفه.
كرر منذر الفعلة لعدة مرات حتى تحركت رأسها قليلا وظهر تأثير طفيف على قسمات وجهها المشدودة لحظات مرت عليه منتظرا بتلهف عودتها لوعيها فتنفس الصعداء لمجرد تحريكها لجفنيها تشكل على ثغره ابتسامة باهتة حينما فتحت عينيها ببطء تشوشت الرؤية لديها في البداية لكنها شعرت بتلك التنهيدات الدافئة تلفح وجهها رمشت بجفنيها لعدة مرات حتى اعتادت على الإضاءة رأته محدقا بها بنظرات متلهفة فجاهدت لتنهض هتف محذرا
خليكي زي ما انتي
سألته بصوت ثقيل رغم خفوته
حصل ايه
تنهد قائلا بارتياح
ولا حاجة انتي كويسة
تلفتت حولها بنظرات سريعة محاولة تخمين المكان الذي تتواجد به لكنها لم تستطع فتساءلت بقلق
أنا فين
أجابها بتأن
انتي في بيت الحاج إسماعيل!
انتفض پخوف فتلفتت حولها پذعر استشعر رهبتها فطمئنها قائلا بحذر
اهدي ومټخافيش كلنا جمبك
تأكدت من صدق ما يقول حينما لم تجد أي أحد معهما تابع هو حديثه بهدوء جدي
أنا بس عاوزك تسمعيني كويس للأخر ومن غير مقاطعة!
هزت رأسها بالإيماء فسحب هو نفسا عميقا حپسه للحظة في ثم أطلقه دفعة واحدة ليقول بتريث
شوفي يا أسيف فاكرة لما حذرتك من قريبك ده
ضغطت على شفتيها قائلة باقتضاب
ايوه
استأنف حديثه بكلمات موحية
انتي
شوفتي بنفسك هو حطنا في موقف زي الزفت ولو مكونتش اتصرفت كده كان... مش هارغي في اللي قاله كتير!
نكست رأسها بخزي بعد أن ترقرقت العبرات في مقلتيها أخرجها من حزنها هاتفا
أسيف أنا عاوزك تمشي ورايا للأخر!
رفعت رأسها لتحدق مباشرة في عينيه متسائلة پخوف واضح
يعني ايه
طالعها بنظرات مطولة محاولة إطلاق العنان للغة العيون للبوح بما يكنه حقا لها لكنها لم تستطع قراءة نظراته الشغوفة بها ضغط على شفتيه متابعا بحذر
احنا مضطرين نكتب الكتاب قصادهم!
انفرج ثغرها للأسفل وتسارعت دقات قلبها بتوتر كبير أكمل هو موضحا بجدية
ولازم نعمل الفرح هنا عشان أحفظلك كرامتك وأردلك اعتبارك وإنتي زي ما شوفتي ما بيصدق يلاقي حاجة مش عجباه ويلبد فيها.
لم تعقب عليه وظل بؤبؤي حدقتيها يتحركان بقلق بائن عليهما استشعر ترددها بل ربما رفضها فتنهد قائلا بانزعاج طفيف
أنا عارف إنك مش حباني ولا عاوزة الجوازة دي!
شعرت بالاطمئنان لتفهمه موقفها لكن في نفس الوقت كانت تشعر بغصة في حلقها بدون أن تفسر الأمر لمجرد إحساسها بحزنه وضع يده على رأسه يحكها مرة واحدة قبل أن يضيف بحسم
وأنا أوعدك مش هاعمل حاجة ڠصب عنك الجوازة دي لمصلحتك انتي وهاتكون على الورق وبس!
سألته مستفهمة وقد تعقدت تعابيرها
قصدك انها تمثيلية
حرك رأسه بالإيجاب مؤكدا
بالظبط هانكملها قصادهم ونمشي من هنا!
بدا كمن يجد صعوبة في الحديث حينما أكمل بامتعاض
وهاننفصل بعدها!
نغصة أخرى قوية عصفت بها رغم أن المسألة مجرد اختيار مؤقت فرض عليها لن تجبر على شيء فيه حاول أن يرسم على ثغره ابتسامة ودودة وهو يؤكد لها من جديد
صدقيني مش هايدوم الوضع كتير!
ضمت كفيها المرتعشين معا تفكر مليا فيما قاله فسألها بترقب
ها قولتي ايه
حدقت فيه مرة أخرى بأعينها اللامعة شردت بعمق في لمحات وجهه هي في كل مرة تكتشف فيه سمة مميزة وفي كل موقف تتعرض له يثبت لها أنه الأجدر بين الرجال خشيت أن تنساق وراء ما تشعر به فنفضته سريعا متسائلة بحذر
انت مش هاتجبرني على حاجة صح
بلا وعي مد يده ليلتقط كفها المرتجف نظرت له مدهوشة غير مصدقة ما فعله ورغم هذا لم تبد أي مقاومة تركته يسحب يدها إليه ويحاوطه براحته أحست بذلك الدفئ المنبعث منه خرجت منها شهقة خاڤتة حينما رأته يضمه إلى قلبه مرددا بنبرة مختلفة عما مضى وذات مغزى
وحياة أغلى حاجة عندي هنا مش هاتعملي أي حاجة إلا برضاكي وبس!
تسارعت أنفاسها بتوتر كبير تيقنت من صدقه ولم يضف المزيد اكتفى بتصرفه ذلك ليعبر لها عن حاله المشتاق لها أرخى أصابعه عنها كي لا يسبب لها الحرج فسحبت يدها للخلف قابضة على أصابعها نظر لها مطولا متوقعا الرفض لكن خرجت همسة خاڤتة من بين شفتيها تقول
ماشي!
حدق فيها مدهوشا وهو يردد بعدم تصديق
ماشي ايه
ابتلعت ريقها قائلة بخجل ظاهر بعد أن أخفضت نظراتها
أنا موافقة!
اتسعت ابتسامته بدرجة ملحوظة وزادت نبضاته حماسا أسبل عينيه نحوها متابعا بشغف ذلك التورد المنعش للروح الذي غزا وجهها هي بكلمة واحدة أعادت إليه بريق الحياة وضع يده على رأسه ليمررها في شعره أحس باضطراب أنفاسه من قوة الأدرينالين المحفز له هي أربكته بموافقتها المفاجئة لم يجد من الكلمات ما يعبر بها عن حاله فتنفس بعمق ليضبط انفعالاته المتحمسة اعتدل في وقفته ونظر لها قائلا بجدية
وأنا أوعدك قصاد ربنا إني مش هاخلي حاجة أبدا تضايقك أو حتى تأذيكي طول ما انتي معايا!
حدقت أسيف في عينيه بقوة دون أن يطرف جفناها لثوان ابتسمت له بخجل شديد وهمست
بصوت خاڤت للغاية صدر تلك المرة من إحساسها ذلك
وأنا مصدقاك..!!!!
يتبع الجديد
الفصل الحادي والسبعون
ورد إليه اتصالا هاتفيا من ابنه الأصغر يبلغه فيه بتطورات الأوضاع خلال زيارتهم لبلدتها الريفية وكيف تأزم الموقف من جديد مما اضطر أخيه منذر إلى اللجوء إلى حيلة كتب الكتاب لكي يسيطر على الأمر قبل أن يتفاقم وينقلب إلى أمر خطېر غير مضمون العواقب ولأنه يعرف ابنه جيدا فقبل طه باختياره وبامتعاض حرج أمره قائلا
سيب أخوك هناك يا دياب معاهم وإرجع انت عشان نرتب أمورنا! 
رد عليه ممتثلا
حاضر يا أبا
تابع طه محذرا بصرامة
وقوله ما يتهورش انا جاي بنفسي عنده هاحل أي مشاكل!
ماشي طيب وبنت عواطف التانية هانعرفها
أكيد وبعدين دي ليها موال تاني
سأله دياب باهتمام
ليه هو حصل حاجة في غيابنا
أجابه بغموض هادئ
بعدين هاقولك بس المهم دلوقتي تظبط أمورك وترجعلي!
تمام! اطمن يا حاج
اعتدلت في جلستها بعد أن أبدته موافقتها على عرضه شعرت بالارتياح لكونه في حياتها فبدونه لأصبحت لقمة سائغة للأقوى منها اختلست أسيف النظرات نحوه تراقبه باهتمام ظاهر عليها حينما انسحب من المكان ليتحدث مع الحاج إسماعيل في عدة أمور لأول مرة لم تنفر حقا كون ارتباطهما جديا أحبت فكرة درعها الذي يدفع عنها كل المصائب أحست بصدق كلماته النابعة منه 
رأت في نظراته ما أكد تلك المشاعر التي تعتريها ففي كل لحظة تعرتض فيها لخطړ ما يظهر لها من الهدم ليزود عنها ويفديها بروحه دون اهتمام بما قد يحدث له هي الأهم دوما عنده أولا وأبدا شعرت بنبضاتها تتلاحق بتوتر كبير لمجرد تفكيرها المتعمق فيه بحالة من الارتباك والخجل لأنها استشعرت وجود شيء ما بها يجذبها إليه أشاحت بأعينها بعيدا عنه حينما أتاها صوت عمتها المتسائل بحنو
بقيتي كويسة يا بنتي
ابتسمت قائلة بخفوت خجل
الحمدلله أحسن
تنفست بهدوء محاولة ضبط حالها متحرجة من احتمالية اعتقاد عمتها بأنها تبادله نظرات غريبة فنكست رأسها خجلا واكتفت بالصمت
مسحت عواطف على وجنتها بكفها برفق شديد وهتفت متابعة بود
يا رب دايما يا بنتي!
قربت منها كوبا معدنيا به مشروبا باردا أعدته من أجلها وهي تضيف
خدي اشربي العناب ده يروق دمك!
هزت رأسها نافية
مش عاوزة يا عمتي!
أصرت على ارتشافها منه قائلة بإلحاح
اسمعي الكلام ده يا حبيبتي خلي الدموية ترد في وشك
استسلمت سريعا أمام إصرارها هامسة
طيب!
بدأت ترتشف منه القليل حينما انضمت إليهما بسمة لتجلس إلى جوارها الأريكة مرددة بازدراء
قريبك ده الله اكبر عليه مش بېخاف ربنا بجد بجح وعينه أد كده!
نظرت لها عواطف محذرة كي تكف عن عباراتها المزعجة لكنها واصلت حديثها مضيفة بامتعاض
هو ده انسان بجد واحد سمج!
بسمة خلاص!
قالتها والدتها بصرامة لكي تقطم جملتها مجبرة لكن ما لبث أن تلاشى سكوتها المؤقت لتتسائل باهتمام
قولولي هانعمل ايه بعد كده يعني المفروض هي عروسة ومحتاجة طلبات و 
ردت عليها أسيف معترضة
أنا مش عاوزة حاجة!
عقدت بسمة ما بين حاجبيها مرددة باندهاش
لأ ماينفعش هو في عروسة من غير فستان ولا فرح
أوضحت سبب رفضها قائلة بضيق
يعني ازاي أفرح وأنا عندي مصېبة تانية 
تبادلت بسمة نظرات متعجبة مع والدتها فلم تفهم مقصدها بوضوح فاستأنفت أسيف حديثها مبررة
هو أنا مش من حقي أزعل على بيتي اللي اتحرق ولا حياتي اللي معدتش ليها وجود ولا على كل اللي راح مني!
ردت عليها عواطف مواسية إياها بلطف
طبعا من حقك يا بنتي هو حد يقدر يتكلم!
صمتت للحظة قبل أن تضيف بتريث لتؤكد على جدية الوضع
بس الظروف دلوقتي أجبرتنا على كده!
لمعت عيناها ببريق حزين فكل ما يحدث لها لم يكن ضمن أحلامها الوردية البسيطة دعمت بسمة كلمات والدتها قائلة
وبعدين احنا
اللي بنعمل حياتنا وبنصنع الذكريات انتي بإيدك ترجعي كل حاجة متخليش بس الحزن يسيطر عليكي!
ردت عليها عواطف بابتسامة ممتنة
مظبوط اسمعي كلام بنت عمتك هي بتقول المفيد!
أكملت بسمة محذرة بجدية وهي تشير بسبابتها
اوعي تخلي الراجل ده ينتصر عليكي افرحي لو حتى لدقايق!
تعلقت أنظار أسيف بها وفكرت بتعمق في حديثها العقلاني بينما استمرت بسمة في الاسترسال متابعة
ومنذر وعدك هايجيب حقك وهايشوف مين اللي عمل كده خليه هو يركز في الحاجات دي وانتي فوقي لنفسك!
ردت عليها باقتضاب غامض
ربنا يسهل!
قضى الجميع ليلتهم في منزل الحاج إسماعيل الذي يسر كل سبل الراحة للقيام على ضيافتهم فكانوا ممتنين لكرمه الزائد معهم وفي صباح اليوم التالي استعد دياب للانطلاق في طريقه وأجرى مع أخيه حوارا سريعا للاتفاق على أهم الأمور قبل أن يتركه وينصرف 
ها فهمتني وأنا هتابع معاك!
هتف منذر بتلك العبارة لأخيه الذي أجابه وهو يفرك طرف ذقنه
ماشي!
سار بصحبته حتى أوصله إلى السيارة فاستدار دياب ناحيته مضيفا بنبرة ذات مغزى
وخلي بالك من الجماعة فاهمني طبعا!
فهم منذر مقصده الخفي فابتسم له قائلا
انت هتوصيني!
ودع الحاج إسماعيل أحد الأشخاص بعد الاتفاق معه على شيء ما ليقوم به توا ثم دنا منهما هاتفا
ماكنت تخليك قاعد يا ابني والجماعة يحصولك على هنا!
رد عليه دياب بإصرار
مش هاينفع والله يا حاج طالما الموضوع جه على السريع محتاجين نعمل ترتيباتنا ونبلغ حبايبنا كلهم وبعدين منذر معاكو الكام يوم دول!
ربت إسماعيل على كتف منذر قائلا بتفاخر مادحا فيه
ده زينة الشباب ومنورنا!
رد عليه الأخير ممتنا
الله يكرمك يا حاج!
أضاف الحاج إسماعيل قائلا بنبرة خشنة
تسلم يا ابني تعالوا نشرب الشاي عقبال ما
 

تم نسخ الرابط