رواية فاذا القلب هوى بقلم منال سالم ج٤
مشغلك
فغر العامل شفتيه مندهشا من تلك الإهانة الصريحة الموجهة لرب عمله فصاح به دياب مجددا بنبرة أشد غلظة وصرامة وقد برزت عروق وجهه النابضة
سمعتني
ارتجف العامل وهو يجيبه
المعلم روح من بدري!
أشار له دياب بسبابته متابعا بصوت هادر
تتصل بيه وتقوله يجي دلوقتي بدل ما يلاقي الهلومة دي كلها كومة فحم!
هز رأسه بالإيجاب وهو يردد بخنوع
أوامرك يا سي دياب!
وضع كفيه على منتصف خصره مثبتا أنظاره
على اسم الجزارة كانت عيناه تطلقان شررا مخيفا لكنه أقسم ألا يجعله يهنأ أبدا في ليلته سيذيقه من الآلام ما يروي عطشه.
مكث في مكانه لفترة لم يتحرك فيها قيد أنملة مترقبا حضوره وما إن رأه مقبلا عليه حتى زاد شموخا وقوة دنا منه الجزار متسائلا بتوجس
خير يا كبير الناس
لم يعلق عليه دياب بل استمر في حدجه بنظراته القاسېة المنذرة بكل شړ ازدرد الجزار ريقه محاولا الترحيب به فهتف بود مصطنع
ده المحل نور وربنا لو أعرف إنك جاي كنت....
أجبره على قطم عبارته بصفعه على صدغه بكلمات حادة
اخرس يا....!
وضع الجزار يده على وجهه مټألما بشدة وسأله باندهاش عجيب
ليه كده بس ده أنا.......
منعه عن الكلام وهو يقول بعصبية متشنجة
انت وقعت معايا!
ارتاع من طريقته فأكمل على نفس الوتيرة
مش أنا منبه عليك قبل كده ملاكش دعوة ببنت الحاجة عواطف
رد عليه الجزار پخوف
هو أنا جيت جمبها أصلا
استشاطت نظراته أكثر واستطرد صارخا فيه بنبرة مغلولة
أكتر حاجة بأكرهها هي الكدب مۏتي وسمي اللي يحور عليا وإنت كداب!
ازداد فزعا منه وحاول تجنب الصدام معه لكن الأخير توعده
بس قبل ما تاخد الحكومة حقها فيه حساب أولاني حساب دياب حرب!
قفز قلبه في قدميه من نظراته المخيفة وتيقن أنه وقع في مأزق كبير لذلك توسله باستعطاف عله يرأف به
خلاص يا ريس دياب أنا مستعد اعمل اللي تؤمرني ب....
كز على أسنانه هامسا بنبرة عدائية
وقت التوبة خلص ودلوقتي جه وقت الحساب!
دب الړعب في أوصاله وهو يزيد من قوله إليه
تفتكر هاعمل فيك ايه
وهو يتوسله
توبت يا سي دياب! أنا محقوقلك!
استشعر والده وجود خطب ما به خاصة حينما صارت تعابير وجهه مشدودة للغاية وتحولت نظراته للاحمرار فادعى انصرافه ليراقبه من على بعد لكي يعرف ما الذي ينتويه وصدق حدسهعاقدا العزم على ارتباك شيء متهور.
صاح طه بصوت جهوري صارم وهو يضرب بعكازه الأرضية
دياب!
توقف عما يفعل ليلتفت برأسه نحو أبيه الذي كان يرمقه بنظرات ڼارية محذرة أكمل قائلا بصلابة
سيبه لحاله
احقنت نبرته وهو يرد
مش هاينفع يا حاج انت مش عارف ده...
قاطعه والده بجمود صارم ضاربا بعكازه الأرضية
دياب هي كلمة! سيبه وتعالى عندي!
أحس الجزارة بالقليل من الأمان لوجوده بأنه سيحول دون حدوث مشكلة له فهمس متوسلا بصوته المبحوح المخټنق
الله يكرمك يا حاج طه أنا واقع في عرضك خليه يرحمني!
أومأ طه بعينيه متابعا بصرامة
تعالي ورايا يا دياب!
على مضض كبير اضطر أن يرضخ لأمر أبيه فتراجع عن الجزار وهدر هاتفا
حظك إن الحاج ظهر!
تنفس الصعداء لأنه نجا من غضبه وفر من أمامه ليبتعد كليا عن محيطه ريثما تهدأ الأوضاع.
اتجه به نحو وكالته لينفرد في حديثه معه هو أوشك على اقتراف جرم ما بسبب اندفاعه الأعمى ولولا مشيئة الرحمن وتدخله في الوقت المناسب لربما تحول الأمر إلى مذبحة جديدة.
لكزه طه في كتفه صائحا
ممكن
تفهمني ايه الجنان ده
ضغط دياب على شفتيه كاتما حنقه في صدره وهو يرد
خلاص يا حاج
لوح والده بيده أمامه متابعا بحدة
بأنقولك الحتة في حكومة ولبش وقلق وإنت زي التور الهايج رايح تهجم على الجزار!
برر له موقفه بتجهم شرس
ليه تار معايا وكان لازم أخلصه!
عنفه طه بحدة
أخوك مش منبه عليك
لوى ثغره للجانب مبديا عدم اقتناعه فاستأنف والده قائلا
الله أعلم كان ممكن يحصل ايه لو ماجتش في الوقت المناسب!
وضع دياب يده على رأسه ليمررها في خصلاته هاتفا بامتعاض
يا أبا ده....
قاطعه مشيرا بنظراته الصارمة
ولا كلمة قدامي على البيت.
لم يستطع إضافة المزيد فصرامة أبيه غير قابلة للنقاش أو المجادلة ولكن على أقل تقدير أفرغ به جزءا من ثورته المشحونة.
تمدد على فراشه محدقا في سقفية الغرفة شاردا في طيف وجهها المشكل عليه شبك كفيه خلف مؤخرة رأسه والتوى فمه مبرزا ابتسامة عذبة عليه وهو يستعيد في ذاكرته خجلها ورقتها المحببة إليه أخرج من صدره تنهيدة عميقة حينما تردد في أذنيه صدى كلمات والدته بأنها من قد أقدمت بلا تفكير على مساعدته.
أرخى ساعديه ليلتف بجسده على الجانب ثم رفع ڼصب عينيه خاتم خطبته ليشرد فيه مطولا زادت ابتسامته اتساعا وهو يهمس لنفسه بثقة
استحالة أنهي الخطوبة دي إلا بجواز إن شاء الله!
هدأت الأوضاع إلى حد ما بعد مشاجرة الأمس والتي ظل الجميع يتناقل أخبارها حتى الساعات الأولى من الصباح بالطبع وصل إلى مسامع قاطني المنطقة إصابة مهدي بأزمة قلبية ونقله للمشفى متأثرا بما حدث حزنوا على مصابه لكن لم يشفق أي أحد على ابنيه فالاثنان يستحقان ذلك الجزاء القاسې.
جمعت الثياب الجافة من على المنشر متأملة الطريق بالأسفل بنظرات فاترة لكن سريعا ما ارتفع حاجباها للأعلى حينما رأته يلوح لها تلفتت حولها بخجل بائن وابتلعت ريقها بتوتر رهيب أحقا يشير لها علنا
عبس وجه أسيف بشدة لتصرف منذر الجريء هكذا فتراجعت مختبئة للخلف متحاشية النظر إليه لكنه على عكسها ظل في مكانه يبتسم لها بإشراق جمعت ما استطاعت من ثياب معا دون طيها واستدارت عائدة للداخل متمتمة بكلمات مبهمة.
فرك منذر مؤخرة عنقه باستمتاع ثم أكمل سيره نحو مدخل بنايتها فيومه يبدأ بها ويستمر معها.
توقعت أن يطرق الباب فأسرعت بالاختباء في الغرفة متجنبة الالتقاء به وحدث ما توقعته سمعت قرع الجرس فانتفضت في مكانها بتوتر ملحوظ لا تعرف ما الذي أصابها لتصاب بتلك الحالة من الاضطراب هي عادة لا تهتم به لكن نبضات قلبها المتسارعة تحذرها من شيء ما تخشى الإقدام عليه شعرت بأنفاسها تتلاحق فتنفست بعمق لتضبطهم أتاها صوت عمتها المرحب به عاليا وما هي إلا لحظات حتى ولجت إليها قائلة
خطيبك برا يا أسيف اجهزي يا حبيبتي عشان تشوفيه
زفرت قائلة بانزعاج
أولا مش خطيبي انتي عارفة يا عمتي إنها تمثيلية
أي كلام وثانيا بقى أنا مش طالعة!
ضړبت عواطف صدرها بيدها مستنكرة رفضها الصارم وهي تقول
يعني الراجل يجي لحد عندنا ونطرده!
هزت كتفيها بعناد
ماليش دعوة اتصرفي معاه!
مايصحش يا بنتي يقول علينا بس ايه دي عيبة كبيرة أوي
ردت أسيف مبررة بعصبية طفيفة
هو فاهم كويس إني مش بتاعة الحركات دي بس قاصد يحرجني!
دافعت عمتها عنه هاتفة
هو لحق عمل حاجة ده احنا لسه بنقول يا هادي وبعدين....
قاطعتها بإصرار
بلاش يا عمتي تضغطي عليا
لا حول ولا قوة إلا بالله! اطلعي المرادي وفهميه ده بنفسك! أنا مش هادخل بينكم
بقى كده!
ابتسمت لها قائلة بمكر
ايوه انتو أحرار مع بعض!
على الجانب الأخر أسرعت نيرمين بارتداء عباءتها الجديدة لتظهر أمامه في أحلى صورها فإن خسړت جولة معه لا يعني هذا خسارتها للمعركة برمتها مازال لديها من الفرص ما يمكنها من استعادته دلفت إلى غرفة الضيوف وعلى ثغرها ابتسامة عريضة ثم انحنت واضعة صينية المشروب البارد والحلوى على الطاولة لتعتدل بعدها في وقفتها رامقة إياه بنظرات مشرقة نظر لها منذر بتأفف واضح وتعمد إظهار امتعاضه منها أقبلت عليه لتجلس على الأريكة المجاورة له ثم أمسكت بطرف كم عباءتها تعبث به وهي تستطرد حديثها
ازيك يا سي منذر عامل ايه دلوقتي
عبست بوجهها لتظهر حزنها بسبب أثار الكدمات الواضحة على قسماته ثم تمايعت بجسدها مضيفة
والله قطع في قلبي اللي حصلك ده أنا كنت خاېفة عليك مۏت من الجبان مجد بس طول عمرك راجل يا سي منذر مخدش في ايدك غلوة!
أرجع ظهره للخلف ليرمقها بنظرات جامدة لم يحرك شفتيه لينطق بكلمة فقط نفور واضح على تعابيره تنهدت بصوت مسموع وهي تقول
مش تمد ايدك يا سي منذر ده عصير طازة عملاه بايدي!
نظر لها باحتقار قائلا بتمهل
مش جايز تكوني حاطة فيه عمل من بتوعك
اتسعت حدقتيها سريعا وشهقت مصډومة من رده المباغت الذي كان متعمدا ليكشفها أمامه شحب وجهها إلى حد ما وحاولت لملمة نفسها فخرج صوتها مترددا
أعمال ايه بس يا سي منذر ده.. ده.....
انتصب في جلسته محدجا إياها بنظرات أشد قسۏة وهو يقاطعها محذرا بسبابته
أحسنلك تبعدي عن سكتي وبلاش تلعبي في دماغ أمي بهبلك لأني فاهمه كويس وبأحذرك تاني زعلي وحش!
ارتعد جسدها من نبرته المھددة واستشعرت قوة انتقامه إن استخفت به انكمشت على نفسها في جلستها لكنه صاح بها بصرامة
امشي اطلعي برا أنا جاي أقعد مع خطيبتي مش معاكي!
حطم أمالها تماما ليغلق الطريق نهائيا أمام محاولاتها البائسة للتودد إليه هبت واقفة من مكانها ناظرة إليه بغيظ بائن واكتسى وجهها بحمرة غاضبة من اساءته لها ضغطت على أصابعها بقوة مكورة إياهم بحنق حتى كادت تخترق أظافرها راحتها ثم استدارت مهرولة من الغرفة كاتمة عبراتها بصعوبة.
شعر بالارتياح لتخلصه منها ونفخ بعمق مخرجا من صدره زفيرا مزعوجا منها تراجع في جلسته منتظرا
بتلهف ولوجها إليه وسريعا ما تبدلت نظراته للإشراق وتشكلت ابتسامة هادئة على ثغره حينما رأها مقبلة عليه بحرج بائن عليها دخلت الغرفة منتقية أبعد أريكة لتجلس عليها.
نظر لها مدهوشا من تصرفها العجيب ثم وضع إصبعيه على طرف ذقنه مداعبا بمرح
على فكرة في كنبة برا أوسع وأريح!
سيطرت بصعوبة واضحة على ابتسامة تتقاتل معها للظهور على شفتيها زمت شفتيها قائلة بعبوس
أستاذ منذر احنا اتفقنا إن الخطوبة دي صوري يعني مافيش داعي للي بتعمله أظن كلامي واضح
رد عليها بنبرة غير مبالية وهو يشير بيده
أنا مش سامعك على فكرة الصوت مش واصل!
قطبت جبينها محدقة فيها بنظرات جادة وهي تقول
لأ انت سامعني كويس بس بتستع......
عجزت عن إتمام جملتها حينما رأت نظراته المحذرة من التطاول عليه بأي لفظ لا يليق فعضت على شفتها السفلى بارتباك.
أخذ منذر نفسا طويلا لفظه على مهل ليرد بهدوء
شوفي يا ست البنات طبيعي تلاقيني عندك كل شوية لأن الاتفاق بينا لسه مخلصش.!!!
يتبع التالي
الفصل السادس والستون
حافظت على تلك المسافة الكبيرة بينهما متعمدة الظهور بمظهر جدي أمامه ورغم ما تفعله من مكابرة وعند إلا أنه كان هادئ الطباع متأملا إياها بتمعن شددت من كتفيها لتعتدل في جلستها ثم أدارت رأسها بخفة ناحيته متابعة بتشنج قليل
حضرتك الاتفاق هينتهي بمجرد ما نروح بيتي!
ضاقت نظراته حتى بدت مزعوجة من عزمها على إنهاء الخطبة نهائيا وما زاد من ضيقه هو تعاملها الرسمي معه وكأنه شخص غريب تمتم باستنكار قليل
مممم.. حضرتي!!!
تابعت قائلة بعصبية واضحة وهي ترمقه بنظرات حادة
بيتي اللي في البلد أظنك فاكره ده سبب الاتفاق من الأول ولحد دلوقتي أنا معرفش حاجة عنه ولا روحنا ولا.....
أزعجه تلميحها الصريح لكونه متقاعسا عن تأدية مهمته مع