رواية فاذا القلب هوى بقلم منال سالم ج٤
أصوات الزغاريد والتهليلات الفرحة تهدجت أنفاسها أكثر وهي تبتسم لمن حولها لكن سريعا اكتسى وجهها حمرة قوية حينما سمعت صوت المأذون يردد
كلنا يا أحباب الله ندعلهم ونقول بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير!
ترددت العبارات بقوة بداخل السرادق ليزداد مع أصواتهم خفقات قلبها المتحمس زاد توترها حينما التقطت أذنيها نبرته وهو يقول بانزعاج زائف
ممكن أعدي بعد اذنكم!
أفسحت النساء والفتيات المجال له ليمر فوقعت أنظاره عليها سريعا تجنبت النظر إليه متحرجة بشدة من كم الأعين المراقبة لهما بينما دنا منذر منها هاتفا
مبروك يا عروسة ربنا يقدرني وأسعدك
هتفت جليلة بسعادة وهي تربت على ظهر ابنها
والله ربنا بيحبك وعوضك خير يا بني!
الټفت ناحية والدته مبتسما فتابعت مضيفة بتفاؤل
يجعلها جوازة الهنا وعقبال الليلة الكبيرة!
هتفت عواطف بنبرة عالية وهي تشير بيديها
يالا يا بنات انزلوا تحت خلوا العرسان يقعدوا سوا!
عدلت بسمة من طرحة العروس قبل أن تبتعد بحذر من جوارها لتنسحب في إثرها باقي النساء والفتيات واحدة تلو الأخرى من الكوشة تاركين فسحة للعروسين للجلوس سويا فيما عدا أروى التي أصرت على
الجلوس على مسند مقعد العروس متغنجة بنفسها بمرح وهي ترتدي مثلها.
سلط منذر أنظاره على وجه حبيبته التي كانت تختلس النظرات إليه بحياء مكشوف عليها تعالت دقات قلبه حتى باتت أكثر عڼفا وهو يتخيلها معه تدفقت دمائه المتحمسة في عروقه من فرط الانفعال الفرح نعم هو غارق حتى النخاع في حب امرأة سلبت قلبه وسيطرت على عقله تمنى في نفسه أن تدوم تلك الفرحة وألا تنتهي بذهابهما من هنا وعودة الأمور إلى سابق عهدها.
على الجانب الأخر لمح الصغير يحيى ذلك الجرو الصغير الذي يلهو بالخارج فأثار فضوله لتتبعه واللعب معه فانسل دون أن ينتبه له أحد من السرادق ليلحق به رأته بسمة مصادفة فتوجست خيفة أن يرتكب شيئا أحمقا دون أن يعي أو أن يضل الطريق فيقلق الجميع عليه لذا أسرعت خلفه محاولة اكتشاف ما الذي يفعله.
دوما كانت أعينه عليها متابعة لكل ما يصدر منها فاستغرب كثيرا لابتعادها عن أجواء الحفل دون إبداء أي مقدمات بدا مزعوجا من خروجها بمفردها خاصة أنها ترتدي ثوبا لافتا للأنظار رغم احتشامه لكنه لا يعرف نوايا البشر لذلك بلا أدنى لحظة تفكير أو تردد انطلق ورائها وهو متجهم الوجه.
وجد صعوبة في ضبط انفعالاته حينما سمع أحد الشباب يعلق عليها قائلا بعبث لاه
بنات بحري دول حكاية
رد عليه أخر مؤكدا بضحكة غير مريحة
بالظبط زي الكتاب ما قال!
استدار ناحيتهما مسلطا أنظاره الڼارية عليهما تشنجت تعابيره وبدا على وشك الفتك بهما وهو يقول بانفعال
ما تلم نفسك انت وهو
اعتدل الشاب في وقفته المائلة قائلا بجفاء
خير يا أستاذ حد جه جمبك!
صاح به بنبرة غاضبة ملوحا بذراعه بټهديد صريح
انت عارف إنت بتكلم عن مين
تفهم الشاب سريعا سبب ثروته المتعصبة فلكز رفيقه قائلا بتوجس
شكلها تبعه!
سلط دياب عينيه المتقدتين بشرر مخيف عليه وهو يرد بصوت متشنج
اه يا سيدي تبعي دي المدام!
تبادل الشابين نظرات حرجة وهتف أحدهما معتذرا
احنا أسفين والله منقصدش اعذرنا يا أستاذ!
حقك علينا زلة لسان و...
قاطعه دياب هادرا بعدائية مخيفة
تاني مرة تفكروا قبل ما تكلموا لأحسن لسانكم ده ممكن يوديكم في داهية!
نظر لهما بازدراء قبل أن يسير مبتعدا ليلحق بها مغمغما بين نفسه بغيظ
شكلي هارتكب جناية هنا!
خطت بتمهل حريص على الأرضية الطينية الغير ممهدة باحثة بأعين قلقة عن الصغير يحيى الذي لم يكن ظاهرا حولها انقبض قلبها إلى حد كبير خوفا عليه واصلت سيرها رافعة أطراف ثوبها الطويل كي لا تتعثر به تلفتت برأسها تجوب بأنظارها كل ما تقع عليه عينيها هاتفة
يحيى! انت فين يا حبيبي يحيى!
تسرب إليها هلع طفيف لعدم وجود أي رد على نداءاتها المتكررة تعمقت أكثر في سيرها حتى بلغت حقول الذرة ففزعت أكثر بسبب الظلام المغلف للأجواء ارتجفت أطرافها بقوة لإحساسها بالخطړ وتأكد شعورها حينما سمعت تلك الهمهمات الخاڤتة
وضعت يدها على فمها حابسة أنفاسها متوقعة الأسوأ خرجت منها صړخة مذعورة حينما سمعت صوتا يأتي من خلفها متسائلا بجمود
جاية هنا ليه
التفتت سريعا برأسها ووجهها قد صار أكثر شحوبا لكن سريعا ما تحول خۏفها إلى حنق ظاهر في نظراتها حينما تأكدت من هويته دنا منها متسائلا بتجهم
بتعملي هنا ايه لوحدك ولا عاجبك الرجالة يعاكسوكي!!!
استنكرت طريقته الھجومية على شخصها دون تقديم أي مبررات تستوجب ذلك ناهيك عن اقتحامه لحريتها الشخصية بشكل سافر استشاطت نظراتها سريعا وردت بتشنج
ايه اللي بتقوله ده رجالة مين ومعاكسة ايه دي
نظر لها بأعين مغلولة موضحا بانفعال
يعني مش شايفة البهوات كانوا بيبصولك ازاي
قطبت جبينها مستغربة مما يتفوه به فصاحت غاضبة
أنا معرفش أصلا إنت بتكلم عن ايه!
اقترب منها أكثر مضيفا بتهكم
هو إنتي فايقة غير ل....
قاطعته رافعة كفها أمام وجهه محذرة إياه من التمادي في افتراءه قائلة
عندك ولا كلمة زيادة مش هاسمح بأي اتهام أو إهانة!
جمد أنظاره المشټعلة عليها فتابعت بسخط متعمدة تحميله اللوم لتسرعه معها
انت مكلفتش خاطرك حتى تشوف بأدور على ايه هنا!
لوى ثغره متسائلا ببرود متهكم
هايكون على ايه
ضاقت نظراته نحوه حتى باتت أكثر حدة ثم أجابته بامتعاض ذو مغزى
على ابنك اللي ناسيه
وكأنه قد عاد إلى رشده بعد سماعه لاسم ابنه يتردد بين شفتيها فهتف بلا وعي
يحيى!
تابعت معاتبة بنبرة لاذعة
ايوه ما انت لو عينك في وسط راسك ومركز كنت شوفت إن ابنك خرج ومحدش عارف هو فين!
ارتسم على تعابيره علامات الانزعاج سريعا هي محقة في هذا الأمر هو غفل دون قصد عن ابنه وتناسى أنه بصحبته في تلك البلدة الغريبة والأطفال بطبيعة الحال يسعون لاكتشاف كل ما هو غامض ومجهول بالنسبة إليهم بفعل فضولهم الطفولي تلفت حوله هاتفا بنبرة مرتعدة
يحيى يحيى انت فين!
بحث پخوف كبير عنه مدققا النظر في حقول القصب المظلمة عله اختبأ بداخلهم هوى قلبه في قدميه حينما لم يسمع منه خبرا وقبل أن يفقد أعصابه المتلفة سمع صوته يقول بعبوس
أنا هنا مش لاقيت الكلب! استخبى مني!
تنفست بسمة الصعداء لكون الصغير بخير فتحركت نحوه بتمهل حذر مرددة بعتاب لطيف
خضتنا عليك!
أحاطت كتفيه بذراعها وضمته إليها بحنو محاولة التهوين عليه لكن انفعل والده بعصبية بائنة معنفا إياه بقسۏة
في حد يعمل كده مش ممكن كنت تقع في ترعة ولا.....
ارتعدت فرائص الصغير من طريقة والده العڼيفة معه فتوجست بسمة خيفة أن يتهور عليه ويضربه نظرت له مستنكرة انفلات أعصابه الدائم فردت بجدية
قدر ولطف! بالراحة مش كده يا أستاذ دياب!
زاد عبوس الصغير حتى كاد يبكي عفويا فهمس بنبرة مخټنقة
مش تزعقلي بابي الكلب ده...
ضمته بسمة أكثر إليها ماسحة على كتفه برفق وهي تقول برقة
خلاص يا حبيبي بابا لما الجنونة بتمسك فيه مش بيشوف قدامه!
انزعج من سخريتها منه محذرا
ها هنغلط
ضغطت على شفتيها محدقة فيه
بنظرات قوية واكتفت بعدم الرد عليه تجنبا لافتعال أي مشاكل معه انحنت برأسها نحو الصغير هامسة له بحنو
متزعلش يا يحيى
اشرأب الصغير بعنقه طابعا على وجنتها قبلة وهو يقول ببراءة
أنا بأحبك انتي!
راقب دياب اندماجهما العفوي بنظرات حالمة تمنى لو فقط أبدت موافقتها على ارتباطهما سويا وأصبحت زوجته لظفر بها كحبيبة عشقها ونال ابنه أما حنونا ترعاه بلا تكلف أو ضغينة أفاق من شروده فاركا مؤخرة رأسه مرددا بهدوء
طب يالا بينا مالهاش لازمة الواقفة هنا في الحتة المقطوعة دي!
وافقته الرأي في تلك النقطة تحديدا وتحركت معه عائدة من حيث أتت وهي قابضة بكفها على يد الصغير الذي فضل أن يمسك بها دون أبيه لمحت بطرف عينها شيئا أثار ريبتها بين عيدان القصب الطويلة دققت النظر أكثر في ذلك الدخان المنبعث هاتفة بقلق
انت شايف الدخان اللي هناك ده
سألها دياب بعدم اكتراث
فين بالظبط أنا مش شايف حاجة!
ابتلعت ريقها وهي تجيبه بخفوت
اللي طالع من وسط القصب!
حرك أنظاره نحو ما أشارت بعينيها فرأى خيطا رفيعا من الدخان يندفع بطريقة مخيفة إلى حد ما من بين الحقول توتر قليلا ولكنه جاهد ليحفظ على ثبات انفعالاته فابتسم قائلا بحذر
تلاقيها شابورة!
تعقدت تعبيراتها من رده الغير منطقي وهتفت مستنكرة سذاجته
شابورة ايه دي اللي هاتطلع في حتة واحدة بس!
فرك طرف ذقنه بيده متابعا بجمود
متحطيش في بالك!
نظر الصغير إلى ذلك الدخان فشعر بالهلع فمد يده الأخرى ليلتقط كف والده هامسا بفزع
أنا خاېف يا بابي!
رد عليه مداعبا
ومين سمعك يا بني جايز الحتة دي مليانة عفاريت أنا سمعت إنهم بيطلعوا في الميعاد ده!
شخصت أبصار بسمة على الأخير بعد عبارته تلك وتدفق إلى عقلها الكثير من مشاهد أفلام الړعب الخاصة بالمناطق المهجورة والمظلمة وما تحمله من نهايات مأساوية مهلكة جف حلقها بصورة كبيرة وشعرت بتسارع دقات قلبها خوفا فالتفتت نحو دياب متوسلة بنبرة شبه مرتجفة
بلاش الكلام ده لو سمحت!
تعجب من تبدل حالها من العبوس والڠضب إلى الذعر الملحوظ ارتفع حاجباه بدهشة قليلة وسألها مهتما وقد تشكل على ثغره ابتسامة عابثة
هو إنتي پتخافي
أجابته بخفوت شديد وهي تزدري ريقها
أنا هاموت في جلدي!
صدح صوتا متحشرجا قويا من بين عيدان القصب متسائلا بنبرة أخافت الجميع
إنتو مين
صړخت بسمة لا إراديا من بين شفتيها
عفريت!
فزع يحيى هو الأخر من صوته وأرخى قبضته عن أبيه ليحتضنها صائحا بهلع أكبر
ماما ماما!
انتفض دياب في مكانه مڤزوعا من ذلك الشخص المريب الذي ظهر لهم من العدم لكنه تمالك نفسه سريعا حينما أمعن النظر في تفاصيله الدقيقة كان رجلا عاديا يرتدي جلبابا داكنا وممسكا في يده سلاحھ المرخص الذي وجه فوهته نحوهم رمقه بنظرات محتقنة إلى حد ما مستنكرة طريقة ظهوره وهتف مغتاظا
يخربيتك قطعت خلفنا إنت مين
رد عليه الرجل متسائلا بنبرة خشنة وهو يخفض سلاحھ للأسفل
إنتو
اللي مين وبتعملوا ايه هنا
وضعت بسمة يدها على صدرها تتحسس قلبها الذي بدأت نبضاته تخبو بعد تداركها للموقف لكن جسدها المرتعش لم يسكن بعد صاح دياب بحدة
في حد يستخبى كده وسط القصب!
رد عليه الرجل بجمود وهو يجوب بأنظاره عليهم متفحصا هيئتهم بدقة
أنا غفير الأرض مقولتوش إنتو مين
أجابه دياب بامتعاض
أنا أخو الأستاذ منذر حرب اللي.....
قاطعه الرجل قائلا بفتور
ايوه العريس مبروك!
رد عليه دياب ساخرا وهو ينظر نحوه بغيظ
بعد جو الړعب ده مبروك مالهاش لازمة بقى
سلط الرجل أنظاره على بسمة متسائلا بنبرة أكثر خشونة
وانتي مين يا أبلة
رمقته بنظرات مزعوجة من أسلوبه الفج وقبل أن تجيبه تعلق الصغير يحيى بها أكثر هاتفا پخوف وهو يدفن وجهه في أحضانها
مامي شكله يخوف!
اعتقد الرجل أن تلك الشابة هي والدة ذلك الطفل فسألها بصوت آجش
إنتي المدام
أجابه دياب بنبرة قوية متعمدا صرف انتباهه عنها
كلمني أنا أه هي المدام وده ابني يحيى وكنت بأفرجهم على البلد! عندك اعتراض ولا حاجة
رد الرجل ببرود
شوفوها بالنهار الدنيا ليل والعتمة وحشة!
علق
سلاحھ على كتفه مضيفا بتحذير
وجايز يطلع عليكم حد واد حرام كده ولا كده!
نفخ دياب قائلا
ايوه عندك حق!
تابع الرجل بصوته المتحشرج
سلملنا على العريس وباركله بنت المرحوم رياض زينة البنات والله فعلا عرف يختار الأصل الطيب!
هز دياب رأسه قائلا
الله يبارك فيك! يوصل حاضر!
ثم أومأ بعينيه إلى بسمة مرددا بنبرة ذات مغزى
يالا يا مدام!
احتدت نظراتها نحوه واضطرت مجبرة ألا تعلق عليه ريثما يبتعد ثلاثتهم عن المكان وما إن اطمأنت من عدم ملاحقة ذلك الرجل لهما حتى عنفته بغيظ مكتوم
مين دي اللي مدام
رد عليها دياب مبررا
مش أحسن ما يغتالنا!
زاد انعقاد ما بين حاجبيها بانزعاج واضح من طريقته في إعطاء نفسه الأسباب للتصرف كيفما يشاء في أمورها الخاصة لاحظ الوجوم البادي عليها فابتسم مازحا
اللي زي ده مخه مقفل ومش هايستوعب أي حاجة تانية!
تقوس فمه أكثر وهو يضيف بطريقة تهكمية مقلدا صوت الرجل المتحشرج
نتخانق في النور مش هنا دي العتمة وحشة يا أبلة!
اڼفجرت ضاحكة من طريقته الساخرة المحاكية للرجل ولم تستطع ضبط نفسها فواصلت ضحكاتها اللاهية نظر لها بأعين لامعة محاولا حفر تلك الصورة المشرقة لوجهها في مخيلته علها تهدأ من لوعة قلبه الذي يهواها پجنون...!!!
يتبع التالي