رواية فاذا القلب هوى بقلم منال سالم ج٤

موقع أيام نيوز


الزغاريد فخفق قلبها بقوة معتقدة أنه قد جاء بالخارج توترت أنفاسها وازدردت ريقها بارتباك كبير اشرأبت بعنقها للأعلى محاولة رؤيته لكنها مجرد تعبيرات عادية عن فرحة النساء بالعروس المتواجدة بالمنزل خبا حماسها وهدأ توترها لتصبح كما كانت شبه ساكنة.
اقتربت منها بسمة بخطوات متهادية هاتفة بانفعال متحمس
ها يا سوفي ايه رأيك في فستاني
رفعت أسيف عينيها نحوها لتمعن النظر في ثوبها اللامع الذي ارتدته من اللون البترولي كان متماشيا مع نحافتها وحجابها الزاهي ضيقا من خصره ومتسعا من الأسفل وأكمامه فضفاضة وتضيق عند الرسغين ابتسمت لها مبدية إعجابها به وهي تقول
شكله حلو عليكي
ردت عليها بسمة بلهو
بس مش يجي حاجة جمبك يا عروسة!
اكتفت بالابتسام الخجل لها لكن سريعا ما اختفت من على محياها حينما رأت نيرمين تقترب منها لترمقها بنظراتها الساخطة أدارت وجهها للجانب متحاشية التشاجر معها فهي متيقنة أنها ستفتعل شيء ما لتثير أعصابها المشدودة وهي لن تتحمل المزيد من التهكمات خاصة في ليلة متوترة كهذه.
انتفض قلبها بين ضلوعها حينما سمعت أبواق السيارات أحست بدقاته العڼيفة تخترق أذانها فارتكبت بشدة واضطربت حواسها هتفت بسمة متحمسة
الظاهر العريس وصل!
صدحت أصوات الزغاريد الممزوجة بأصوات المزامير لتؤكد صدق حدسها فتلاحقت
ضربات فؤادها من تلك الحماسة المتدفقة في الأدرينالين المندفع في شرايينها لا تعرف إن كان اضطرابها دليلا على الفرح أم ماذا لكنها حتما لم تكن مزعوجة بما يحدث لها.
سدت بسمة الطريق بجسدها لتمنعه من المرور ومن رؤية عروسه رأها دياب أولا فتوهجت عيناه بوميض غريب امتعضت ملامحه إلى حد ما لكونها ستظهر أمام الغرباء بصورة جميلة لافتة للأنظار فربما تثير في نفس شاب ما خيالات متهورة أو أفكارا حمقاء مخجلة نحوها سيطر عليه شعور الغيرة فجاهد كثيرا ليبدو طبيعيا لكن عبرات تعبيراته عن حاله
تعمدت فرد ذراعيها هاتفة بمرح
عروستنا لسه قدامها شوية
عقد منذر ما بين حاجبيه قائلا باستغراب كبير
مش معقول ماتكونش خلصت! 
لوت ثغرها قائلة بمكر وهي توميء برأسها
اها لسه!
تساءل بغرابة وهو يدير رأسه نحو أخيه
ازاي ده المأذون جه!
جمد دياب أنظاره على بسمة قائلا بتجهم مزعوج
شكلها بتهزر يا أبلة جرس الفسحة ضړب من زمان! خلي العريس يشوف عروسته!
نظرت له بضيق مبدية عدم تقبلها من طريقته في الحديث وردت باقتضاب
ظريف!
أبعد نظراته المحتقنة عنها مطلقا زفيرا حادا من صدره باذلا مجهودا مضنيا في ضبط هدوئه تنحت للجانب لتفسح الطريق لمنذر ليلج إلى الداخل فقابلته والدته صائحة بسعادة
مبروك يا حبيبي ربنا يسعدك يا رب
احتضنها بذراعيه للحظات ثم تراجع مبتعدا عنها وانحنى على رأسها مقبلا إياها قائلا
الله يبارك فيكي يا أمي!
مسحت على وجهه بكفها المجعد فأمسك به وطبع قبلة صغيرة عليه قبل أن يتركها ليكمل خطاه نحو الداخل متلهفا لرؤيتها اشتاقت إليها عيناه خفق قلبه بقوة حينما لمح تلك الهالة البيضاء التي تغلفها أهذا سحر الحب الذي يجعلنا نرى ما نحب كالملائكة
ردد بإعجاب كبير
بسم الله تبارك الخلاق!
خجلت من نظراته المتطلعة بعشق إليها شعرت بسخونة شديدة تجتاحها من لا شيء بتوتر رهيب يعصف بخلاياها الساكنة أتلك هي بوصلة الحب التي تدل قلوبنا على نصفنا الأخر فنضطرب خجلا من اكتشاف أمرنا أخفضت رأسها حرجا منه رامشة بعينيها بحياء كبير اقترب منها ممررا عيناه ببطء على كل جزء فيها أصبحت لهفته مضاعفة نحوها لم يصدق أنها ستصبح زوجته سيكتب اسمها إلى جوار اسمه وتقترن به.
تقوس فمه بابتسامة عذبة وهو يقول
مبروك!
همست بنبرة غير مسموعة
الله يبارك فيك!
تحسس رأسه الممشط جيدا مداعبا
ولو إني مش سامع حاجة من الدوشة بس أكيد مبسوطة صح
عضت على شفتها السفلى بخجل أكبر واكتفت بإظهار ابتسامة صغيرة على ثغرها.
سحب منذر نفسا مطولا حرره دفعة واحدة وهو يقول بجدية
أسيف!
انتبهت لصوته الذي تحول للجدية وحدقت فيه بارتباك قليل عمق نظراته نحوها متابعا بثبات
أوعدك قبل ما نكتب الكتاب إني مش هاخلي حاجة تضايقك أو تزعلك طول ما إنتي معايا ولو حبتي لما نرجع ن....
استشعرت من طريقته التلميح إلى رغبته في الانفصال عنها حينما تنتهي الأمور هنا ليس أمرا مشوقا
على الإطلاق خفق قلبها خوفا وقبل أن يضيف كلمة أخرى قاطعته بتوتر
ماتكملش!
استغرب كثيرا مما قالته فسألها بعدم تصديق
ايه
حركت شفتيها لتجيبه لكن منعها من الكلام هتاف والدته الصائح
يالا يا ابني الناس مستنينا!
الټفت برأسه للخلف مبديا انزعاجه من مجيئها في تلك اللحظة تحديدا ورد بعبوس
ماشي جايين مش تدونا فرصة نتكلم!
عاود النظر إليها متسائلا بفضول
كنتي هاتقولي ايه
ابتسمت بخجل وهي ترد
يالا بينا!
زفر مستاء من ضياع فرصة ثمينة لسماع ما تريد قوله لكن استشعر قلبه شيئا مطمئنا منها نظراتها نحوه ابتساماتها حتى عيونها كل شيء يوحي بأمر محمود تمنى في نفسه أن يصدق حدسه ويحمل قلبها مشاعرا ما إليه حتى وإن كانت قليلة ثنى ذراعه لتتأبط هي فيه ارتجفت أطرافها من شدة الحماسة وهي تعلق رسغها به تحركت بحذر متمهل معه وسار للأمام محدقا بها بنظرات متيمة.
تعالت الزغاريد مجددا طوال سيرهما حتى السيارة واعتلت أصوات المزامير والدفوف المصحوبة بالأغاني المهنئة بالأفراح سبقها منذر بخطوة ليفتح لها الباب وتحركت بحذر لتجلس بالمقعد الخلفي ساحبة ذيل ثوبها معها وما إن تأكد من جلوسها حتى صفق الباب برفق ليدور حول السيارة لكي يحتل مكانه إلى جوارها.
تفاجأت بتلك الأضواء البارقة التي زينت الطريق الزراعي وصولا إلى ذلك المكان الذي حبست أنفاسها حينما خمنت وجهتها التالية حدقت بجمود فيه لم يطرأ ببالها مطلقا أن تعود إلى أرض والدها بل أن ترى سرادق الحفل مقاما عليه وبالقرب من تلك الشجرة التي ضمت الكثير من ذكريات طفولتها وصباها تهدجت أنفاسها متأثرة ولمعت عيناها ببريق واضح أحس منذر بما يختلج صدرها من مشاعر مختلطة فمال عليها برأسه قائلا
مكانش ينفع الفرح يتعمل إلا هنا!
التفتت ناحيته برأسها لتحدق مباشرة في عينيه العاشقتين لها خانتها العبرات التي تجمعت بكثافة عند طرفي مقلتيها وانهمرت سريعا على وجنتيها مبللة كلتاهما بغزارة غير مكترثة بمساحيق التجميل التي يمكن أن تفسد من بكائها مد منذر أنامله بحذر ماسحا بعضهم برفق وهو يضيف مبتسما
أحلامك أوامر بالنسبالي!
عجزت عن إيجاد الكلمات المناسبة لشكره لقد حقق لها حلما تمنته في حياة أبويها وظنت أنه ذهب مع رحيلهما لكنه صار واقعا بوجوده معها التفتت برأسها لتحدق في النافذة من جديد وارتسم على ثغرها ابتسامة أكثر اتساعا امتزجت بعبراتها الفرحة لم يرغب سوى في رؤيتها سعيدة تضحك لا تلقي بالا لهموم الحياة يكفيه أن تبتسم فتشرق الحياة من حوله وتتحول متاعبها إلى أمور هينة يمكن تحملها.
توقفت السيارة عند مقدمة السرادق وصدحت أكثر أصوات الدفوف والطبول المتراصة على الجانبين لم تستطع منع نفسها من البكاء فرحا هي تعيش يوما مميزا في حياتها ذكرى جديدة ستحفر في عقلها للأبد ترجلت منها حينما فتح بابها لها وحدقت فيه بنظرات ممتنة ابتسم لها ابتسامة عذبة واصطحبها بتمهل إلى الداخل..
ركض الصغيران
يحيى وأروى أمامهما قاذفين الورود على وجهيهما وهما يلهوان لتتسارع أنفاسها من فرط السعادة استدارت للجانب لتنظر إلى ذلك الذي سلب قلبها رغما عنها بفرحة جلية قبض بأنامله على كفها ضاغطا عليه برفق قائلا بصوت خفيض
مبروك!
واصلا سيرهما حتى بلغا الكوشة الموضوعة في أحد الأركان ليجلس كلا منهما على مقعد منفصل تجمع حولهما الأحبة والمقربين فيما عدا نيرمين التي جلست على المقعد المواجه لهما تحدجهما بنظراتها الغاضبة نيران غيرتها تآكلها كم تمنت أن تحظى به زوجا يحبها وتحبه يلاطفها بمعسول الكلام فتغدق عليه من حبها الفطري لكن بقي لها فقط أحلام مؤودة.
هتف الحاج إسماعيل قائلا بصوت جهوري
يالا يا أستاذ منذر شرفنا مع الرجالة عشان نكتب الكتاب
لوح له بيده قبل أن ينهض من مقعده متوجها نحوه وقبل أن يبتعد عنها رمقها بنظرة أخيرة عاشقة شعرت بها تخترقها ببساطة لتصيب قلبها وتحمسه.
بدأت مراسم عقد القران بهدوء تام وقبل أن يشرع المأذون في إتمام باقي الإجراءات المعروفة قاطعه منذر قائلا بجدية
لازم الحاج فتحي يكون وكيل العروسة!
اندهش الجميع من مطلبه الغريب واستدار برأسه مسلطا أنظاره على قريبها المتجهم الوجه متسائلا بنبرة موحية
ولا ايه رأيك يا حاج مش إنت برضوه وكيلها!
أشار له بحاجبيه مؤكدا مغزى عبارته الخفي فامتعض وجه فتحي على الأخير ولم يجد بدا من الاعتراض ضغط على فمه هاتفا بصوت متحشرج
طبعا ده أنا خالها!
شهقت أسيف مصډومة مما سمعته توا لم تكن أوهاما أو تخيلات اختلقها عقلها لقد أعلن قريبها صراحة أمام الجميع أنه وكيلها الشرعي في عقد القران ليقضي بهذا الحديث الجاد على أخر ذرة ڼزاع بينهما مؤكدا على عودة علاقات الود معها حركت عينيها نحو منذر لترمقه بنظرات مذهولة غير مصدقة ما يفعله من أجلها كل لحظة يثبت لها أنه جدير بها أنه يستحقها ويحبها حبا جما بل يثبت لها أيضا أنها كانت مخطئة في حقه منذ البداية لم يكن بالبشاعة أو الطمع الذي تخيلته عليه بل هو أكثر الرجال شهامة ورجولة...!!!
يتبع الجديد
الفصل الخامس والسبعون الجزء الثاني
اشرأبت بعنقها محاولة رؤيته لكن غطى حضوره المهيب أجساد الرجال المحاوطين له فبات الأمر عسيرا عليها أخرجت تنهيدة مطولة من صدرها ونكست رأسها بإحباط واضح للحظة شردت في لمحات سريعة من ذكريات جمعتهما سوى لم تكن البدايات مبشرة لكن حتما النهايات طيبة هو عرف الطريق الصحيح لدربها وسار بتمهل عليه حتى وصل إلى قلبها فاتخذ مكانه فيه ابتسمت بخفوت ممررة أنظارها على الجميع.
مالت عليها بسمة مداعبة
هيكتبوا كتابك يا قمر!
رفعت أسيف رأسها نحوها محدقة فيها بأعين لامعة واكتفت بابتسامة خجلة على محياها بالطبع لم تفارقها نظرات نيرمين المحتقنة غيظا شعرت بدمائها الفائرة ټحرق خلايا عقلها بل إنه كاد ينفجر من كثرة ما تكتمه في نفسها مجبرة وخزات حادة ألمتها في رأسها فكزت على أسنانها بقوة غير قادرة على إخفاء حزنها الممزوج بۏجعها.
قول ورايا يا أستاذ منذر إني استخرت الله!
انتبه الجميع إلى صوت المأذون الجهوري الذي صدح في السرادق لتنخفض الأصوات العالية تدريجيا ويخفق مع نبرته قلبها أكثر إنها الآن تزوج إليه ووكيلها قريبها الذي أنكرها يوما الآن ترفع رأسها عاليا وترد كرامتها بين الأشهاد كذلك سيجمع القدر بينها وبين أكثر الرجال احتراما ومهابة في رابط له قدسيته اعتلى خلجاتها فرحة خافية رغم وضوحها في نظراتها لكنها أيقنت أنها مستعدة كليا إلى تلك الخطوة الحاسمة في حياتها ستصنع مما تمر به ذكريات أخرى خاصة بها تحمل السعادة والبهجة وستمحو أثار ما خلفه الزمن من أحداث مؤلمة نعم عقدت العزم بشدة على نسيان ما يؤلمها والتشبث أكثر بحاضرها ومستقبلها.
انتهت الإجراءات الخاصة بعقد القران ووقعت بأنامل ثابتة على ورقة زيجتها لتعلو بعدها
 

تم نسخ الرابط